كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 4)
وَمِنْ ذَلِكَ الْمُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ إِذَا رَأَى سَرَابًا، وَكَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ مَاءٌ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَإِنِ اسْتَوَى الأَْمْرَانِ لاَ يَحِل لَهُ قَطْعُ الصَّلاَةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ، إِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَاءً يَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ، وَإِلاَّ فَلاَ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (1) . وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَوَجَدَهُ أَوْ تَوَهَّمَهُ بَطَل تَيَمُّمُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلاَةٍ. وَيَحْصُل هَذَا التَّوَهُّمُ بِرُؤْيَةِ سَرَابٍ. وَمَحَل بُطْلاَنِهِ بِالتَّوَهُّمِ إِنْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ زَمَنٌ لَوْ سَعَى فِيهِ إِلَى ذَلِكَ لأََمْكَنَهُ التَّطَهُّرُ بِهِ وَالصَّلاَةُ فِيهِ. وَإِذَا بَطَل التَّيَمُّمُ بِتَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ بُطْلاَنُهُ بِالظَّنِّ أَوِ الشَّكِّ أَوْلَى، سَوَاءٌ أَتَبَيَّنَ لَهُ خِلاَفُ ظَنِّهِ أَمْ لَمْ يَتَبَيَّنْ، لأَِنَّ ظَنَّ وُجُودِ الْمَاءِ مُبْطِلٌ لِلتَّيَمُّمِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِتْمَامُهَا (2) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ إِذَا مَا طَلَبَ الْمَاءَ سَاغَ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَلَوْ كَانَ خَوْفُهُ بِسَبَبِ ظَنِّهِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ السَّبَبِ. مِثْل مَنْ رَأَى سَوَادًا بِاللَّيْل ظَنَّهُ عَدُوًّا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ بَعْدَ أَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى لَمْ يُعِدْ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى. وَقِيل: يَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ، لأَِنَّهُ تَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مُبِيحٍ لِلتَّيَمُّمِ (3) .
هـ - الاِخْتِلاَطُ:
13 - يُقْصَدُ بِهِ اخْتِلاَطُ الْحَلاَل بِالْحَرَامِ وَعُسْرُ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا. كَمَا لَوِ اخْتَلَطَتِ الأَْوَانِي الَّتِي فِيهَا مَاءٌ طَاهِرٌ بِالأَْوَانِي الَّتِي فِيهَا مَاءٌ نَجِسٌ، وَاشْتَبَهَ الأَْمْرُ، بِأَنْ لَمْ
__________
(1) الفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية 1 / 60.
(2) نهاية المحتاج 1 / 286 - 287، والمغني 1 / 271، 272، ومنح الجليل 1 / 93.
(3) كشاف القناع 1 / 164 - 165، والمغني 1 / 239.
يُمْكِنِ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ اسْتِعْمَال الْمَاءِ، وَيَجِبُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل سَحْنُونٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لأَِنَّ أَحَدَهُمَا نَجِسٌ يَقِينًا، وَالآْخَرُ طَاهِرٌ يَقِينًا، لَكِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ فَيُصَارُ إِلَى الْبَدَل.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (مَاءٌ) (1) . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل مَا إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ، وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا، وَلَمْ يَجِدْ ثَوْبًا طَاهِرًا بِيَقِينٍ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُطَهِّرُهُمَا بِهِ، وَاحْتَاجَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَالْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ خِلاَفًا لِلْمُزَنِيِّ، أَنَّهُ يَتَحَرَّى بَيْنَهَا، وَيُصَلِّي بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ التَّحَرِّي وَيُصَلِّي فِي ثِيَابِ مِنْهَا بِعَدَدِ النَّجِسِ مِنْهَا، وَيَزِيدُ صَلاَةً فِي ثَوْبٍ آخَرَ. وَقَال أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ: لاَ يُصَلِّي فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَالأَْوَانِي (2) .
وَإِنَّمَا يَتَحَرَّى - عِنْدَ مَنْ قَال بِذَلِكَ - إِذَا لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا طَاهِرًا، أَوْ مَا يُطَهِّرُ بِهِ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ. وَإِذَا تَحَرَّى فَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ صَلَّى فِي أَحَدِهِمَا. وَالْقَائِلُونَ بِالتَّحَرِّي هُنَا قَالُوا: لأَِنَّهُ لاَ خُلْفَ لِلثَّوْبِ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ، بِخِلاَفِ الاِشْتِبَاهِ فِي الأَْوَانِي، لأَِنَّ التَّطَهُّرَ بِالْمَاءِ لَهُ خُلْفٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ (3) .
__________
(1) البحر الرائق 1 / 140 - 141، والأشباه والنظائر لابن نجيم 1 / 146، ومواهب الجليل والتاج والإكليل 1 / 170، وحاشية الدسوقي 1 / 82، ونهاية المحتاج 1 / 76، والمهذب 1 / 16، وكشاف القناع 1 / 47، والمغني 1 / 62.
(2) المغني 1 / 62 ط الرياض.
(3) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 20، والفتاوى الهندية 5 / 383، وحاشية الدسوقي 1 / 79، ومواهب الجليل 1 / 160، ونهاية المحتاج 2 / 16.
الصفحة 294