كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 6)
حَاجَّهُمْ عُمَرُ، وَقَال لأَِبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. مُدَّ يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَلَمْ يَعْتَبِرِ الْغَلَبَةَ وَاعْتَبَرَ الْعَقْدَ مَعَ وُجُودِ الاِخْتِلاَفِ.
وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلُهُ: نَحْنُ مَعَ مَنْ غَلَبَ وَلأَِنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَقِفُ عَلَى عَقْدٍ لَصَحَّ رَفْعُهُ وَفَسْخُهُ بِقَوْلِهِمْ وَقَوْلِهِ، كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ (أَيِ الْمُتَغَلِّبَ) لَوْ عَزَل نَفْسَهُ أَوْ عَزَلُوهُ لَمْ يَنْعَزِل، دَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى عَقْدِهِ. (1)
وَلأَِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ خَرَجَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلاَدِ وَأَهْلِهَا، حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا، فَصَارَ إِمَامًا يَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، وَلِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ، وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ. (2) وَلِخَبَرِ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ أَجْدَعُ. (3)
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ قَوْلاً: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ إِمَامَةِ الْمُتَغَلِّبِ اسْتِجْمَاعُ شُرُوطِ الإِْمَامَةِ (4) . كَمَا يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا: أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى الأَْمْرِ بَعْدَ مَوْتِ الإِْمَامِ الْمُبَايَعِ لَهُ، وَقَبْل نَصْبِ إِمَامٍ جَدِيدٍ بِالْبَيْعَةِ،
__________
(1) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 7، 8
(2) المغني 8 / 107، وحاشية ابن عابدين 1 / 369، والدسوقي 4 / 298، ومغني المحتاج 4 / 130، وأسنى المطالب 4 / 110 - 111
(3) حديث: " اسمعوا وأطيعوا. . . ". أخرجه مسلم من حديث أم الحصين رضي الله عنها مرفوعا بلفظ: " إن أمر عليكم عبد مجدع (حسبتها قالت) أسويقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا ". (صحيح مسلم 3 / 944 ط عيسى الحلبي)
(4) المصادر السابقة
أَوْ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى حَيٍّ مُتَغَلِّبٍ مِثْلِهِ. أَمَّا إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الأَْمْرِ وَقَهَرَ إِمَامًا مُوَلًّى بِالْبَيْعَةِ أَوْ بِالْعَهْدِ فَلاَ تَثْبُتُ إِمَامَتُهُ، وَيَبْقَى الإِْمَامُ الْمَقْهُورُ عَلَى إِمَامَتِهِ شَرْعًا (1) .
اخْتِيَارُ الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الأَْفْضَل:
19 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَيَّنَ لأَِهْل الاِخْتِيَارِ وَاحِدٌ هُوَ أَفْضَل الْجَمَاعَةِ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِْمَامَةِ، فَظَهَرَ بَعْدَ الْبَيْعَةِ مَنْ هُوَ أَفْضَل مِنْهُ، انْعَقَدَتْ بِبَيْعَتِهِمْ إِمَامَةُ الأَْوَّل وَلَمْ يَجُزِ الْعُدُول عَنْهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْضَل مِنْهُ. كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوِ ابْتَدَءُوا بَيْعَةَ الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الأَْفْضَل لِعُذْرٍ، كَكَوْنِ الأَْفْضَل غَائِبًا أَوْ مَرِيضًا، أَوْ كَوْنِ الْمَفْضُول أَطْوَعَ فِي النَّاسِ، وَأَقْرَبَ إِلَى قُلُوبِهِمُ، انْعَقَدَتْ بَيْعَةُ الْمَفْضُول وَصَحَّتْ إِمَامَتُهُ، وَلَوْ عَدَلُوا عَنِ الأَْفْضَل فِي الاِبْتِدَاءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ. (2)
أَمَّا الاِنْعِقَادُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ بَيْعَةِ الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الأَْفْضَل بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ بَيْعَتَهُ لاَ تَنْعَقِدُ، لأَِنَّ الاِخْتِيَارَ إِذَا دَعَا إِلَى أَوْلَى الأَْمْرَيْنِ لَمْ يَجُزِ الْعُدُول عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. (3)
وَذَهَبَ الأَْكْثَرُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَةَ جَائِزَةٌ لِلْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الأَْفْضَل، وَصَحَّتْ إِمَامَتُهُ إِذَا تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الإِْمَامَةِ. كَمَا يَجُوزُ فِي وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ تَقْلِيدُ الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الأَْفْضَل لأَِنَّ زِيَادَةَ الْفَضْل مُبَالَغَةٌ فِي الاِخْتِيَارِ،
__________
(1) مغني المحتاج 4 / 132، وأسنى المطالب 4 / 110
(2) الأحكام السلطانية للماوردي ص 50
(3) المصدر السابق، والفصل في المال والأهواء والنحل 4 / 163
الصفحة 225