كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 6)

أَمَانَةٍ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ ائْتَمَنَ الْبَائِعَ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ الثَّمَنِ الأَْوَّل مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلاَ اسْتِحْلاَفٍ، فَتَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنِ الْخِيَانَةِ وَالتُّهْمَةِ، لأَِنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . (1) وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا. (2)
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ فَفِي الْجُمْلَةِ يَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَبِيعَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَقِيل: بِحَطِّ الزِّيَادَةِ عَلَى أَصْل رَأْسِ الْمَال وَنِسْبَتِهَا مِنَ الرِّبْحِ مَعَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ. (3) هَذَا مَعَ تَفْصِيلٍ كَثِيرٍ يُنْظَرُ فِي (بَيْع - مُرَابَحَة - تَوْلِيَة - اسْتِرْسَال) .
ب - اعْتِبَارُ الأَْمَانَةِ شَرْطًا فِيمَنْ تَكُونُ لَهُ وِلاَيَةٌ وَنَظَرٌ فِي مَال غَيْرِهِ كَالْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، فَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ صِفَةَ الأَْمَانَةِ فِي الْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَأَنَّهُ يُعْزَل لَوْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ، أَوْ يُضَمُّ إِلَيْهِ أَمِينٌ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. كَذَلِكَ مَنْ لَهُ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ كَالْقَاضِي، فَالأَْصْل اعْتِبَارُ الأَْمَانَةِ فِيهِ. (4) وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ (ر: قَضَاء،
__________
(1) سورة الأنفال / 27
(2) حديث " ليس منا من غشنا. . . ". أخرجه مسلم بلفظ: " من غش فليس مني ". وأخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: " ليس منا من غش " (صحيح مسلم 1 / 99 ط عيسى الحلبي، وعون المعبود 3 / 287 ط الهند، وسنن ابن ماجه 2 / 749 ط عيسى الحلبي)
(3) البدائع 5 / 223، والمغني 4 / 203، 208، والدسوقي 3 / 164، والمهذب 1 / 295، 297
(4) منتهى الإرادات 2 / 504، 574، والمهذب 1 / 470، والهداية 4 / 258، 3 / 101 ط المكتبة الإسلامية، ومنح الجليل 4 / 138، 688
وَصِيّ) .
ج - مَنْ يَتَرَتَّبُ عَلَى كَلاَمِهِ حُكْمٌ كَالشَّاهِدِ: فَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي الشَّاهِدِ الْعَدَالَةَ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} . (1) وقَوْله تَعَالَى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (2) ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّوَقُّفِ عَنْ نَبَأِ الْفَاسِقِ، وَالشَّهَادَةُ نَبَأٌ فَيَجِبُ عَدَمُ قَبُول شَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْخِيَانَةَ مِنَ الْفِسْقِ، (3) وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلاَ خَائِنَةٍ. (4)
د - الْحَلِفُ بِالأَْمَانَةِ: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالأَْمَانَةِ مَعَ إِضَافَتِهَا إِلَى اسْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَال: وَأَمَانَةِ اللَّهِ لأََفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ يَمِينًا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ.
أَمَّا الْحَلِفُ بِالأَْمَانَةِ فَقَطْ دُونَ إِضَافَةٍ إِلَى لَفْظِ الْجَلاَلَةِ، فَإِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، فَإِنْ أَرَادَ بِالأَْمَانَةِ صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَالْحَلِفُ بِهَا يَمِينٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِالأَْمَانَةِ مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَْمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ} (5) أَيِ التَّكَالِيفَ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ. وَيَكُونُ الْحَلِفُ
__________
(1) سورة البقرة / 282
(2) سورة الحجرات / 6
(3) المغني 9 / 165، والمهذب 2 / 325، ومنح الجليل 4 / 218
(4) حديث: " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ". أخرجه أبو داود وابن ماجه. قال الحافظ البوصيري تعليقا على إسناد ابن ماجه: في إسناده حجاج بن أرطاة، وكان يدلس وقد رواه بالعنعنة. وقال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد رواية أبي داود: سنده قوي. (عون المعبود 3 / 335 ط الهند، وسنن ابن ماجه 2 / 792 ط عيسى الحلبي، والتلخيص الحبير 4 / 198 ط شركة الطباعة الفنية المتحدة وجامع الأصول 10 / 190)
(5) سورة الأحزاب / 72

الصفحة 238