كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 6)

عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَدَعَا النَّبِيُّ فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْل بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَال: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ، وَأَنْتِ إِلَى خَيْرٍ (1)

حُقُوقُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ:
11 - مِنْ حَقِّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحْتَرَمْنَ وَيُعَظَّمْنَ، وَيُصَنَّ عَنِ الأَْعْيَنِ وَالأَْلْسُنِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَحْوَهُنَّ.
فَإِنْ تَطَاوَل مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ عَلَى تَنَاوُلِهِنَّ بِالْقَذْفِ أَوِ السَّبِّ، فَفِي الْقَذْفِ يُفَرِّقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ قَذْفِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَقَذْفِ غَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ - مِنَ الزِّنَا - فَقَدْ كَفَرَ، وَجَزَاؤُهُ الْقَتْل (2) ، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى
__________
(1) حديث: " عمر بن أبي سلمة. . . " أخرجه الترمذي (5 / 351 - ط الحلبي) . وقال البغوي في شرح السنة (15 / 117) هذا حديث صحيح الإسناد. وله شاهد أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها (صحيح مسلم 3 / 1883 ط عيسى الحلبي)
(2) حاشية ابن عابدين 3 / 167، والصارم المسلول لابن تيمية ص 566، طبع مطبعة السعادة، ونسيم الرياض شرح شفاء القاضي عياض وبهامشه شرح علي القالي على الشفاء 4 / 568، طبع المطبعة الأزهرية 1327 هـ
ذَلِكَ (1) ؛ لأَِنَّ مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، وَمَنْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ قُتِل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (2) . أَمَّا مَنْ قَذَفَ وَاحِدَةً مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عُقُوبَتِهِ، فَقَال بَعْضُهُمْ وَمِنْهُمْ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ حُكْمَ قَذْفِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَحُكْمِ قَذْفِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَيْ يُقْتَل - لأَِنَّ فِيهِ عَارًا وَغَضَاضَةً وَأَذًى لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَل فِي ذَلِكَ قَدْحٌ بِدِينِ رَسُول اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهُ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ قَذْفَ وَاحِدَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرِ عَائِشَة كَقَذْفِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَوْ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ يُحَدُّ الْقَاذِفُ حَدًّا وَاحِدًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} (3) لأَِنَّهُ لاَ يَقْتَضِي شَرَفُهُنَّ زِيَادَةً فِي حَدِّ مَنْ قَذَفَهُنَّ؛ لأَِنَّ شَرَفَ الْمَنْزِلَةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْحُدُودِ.
وَقَال بَعْضُهُمْ وَمِنْهُمْ مَسْرُوقُ بْنُ الأَْجْدَعِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَنْ قَذَفَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ يُحَدُّ حَدَّيْنِ لِلْقَذْفِ - أَيْ يُجْلَدُ مِائَةً وَسِتِّينَ جَلْدَةً (4) -
__________
(1) الصارم المسلول ص 565، وتنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام أو أحد أصحابه الكرام من مجموعة رسائل ابن عابدين 1 / 358، 367، طبع سنة 1325 هـ
(2) سورة النور / 17، وانظر: تفسير القرطبي 12 / 206
(3) سورة النور / 4
(4) الخصائص الكبرى 3 / 179، والإعلام بقواطع الإسلام المطبوع بهامش الزواجر ص 172، وتفسير القرطبي 12 / 176، وفتاوى ابن تيمية 32 / 119، والصارم المسلول ص 567، وتنبيه الولاة والحكام لابن عابدين (ر: رسائل ابن عابدين 1 / 358 - 359)

الصفحة 269