كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 6)
الْمَمْلُوكَةِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، كَالإِْذْنِ بِسُكْنَى دَارِهِ، أَوْ رُكُوبِ سَيَّارَتِهِ، أَوِ اسْتِعْمَال كُتُبِهِ، أَوْ مَلاَبِسِهِ الْخَاصَّةِ، فَلَيْسَ لِلْمُبَاحِ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ بِالاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَإِلاَّ كَانَ ضَامِنًا. (1)
ثَانِيًا: الاِضْطِرَارُ
13 - " الاِضْطِرَارُ هُوَ الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ مِنَ الْهَلاَكِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا " أَوْ " بُلُوغُ الإِْنْسَانِ حَدًّا إِنْ لَمْ يَتَنَاوَل الْمَمْنُوعَ يَهْلِكُ (2) " وَهُوَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ حِل الاِنْتِفَاعِ بِالْمُحَرَّمِ لإِِنْقَاذِ النَّفْسِ مِنَ الْهَلاَكِ. وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَوْعٌ مِنَ الإِْبَاحَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي حَال الضَّرُورَةِ.
وَيُشْتَرَطُ لِحِل الاِنْتِفَاعِ بِهِ أَنْ يَكُونَ الاِضْطِرَارُ مُلْجِئًا، بِحَيْثُ يَجِدُ الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ فِي حَالَةٍ يَخْشَى فِيهَا الْمَوْتَ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ قَائِمًا فِي الْحَال لاَ مُنْتَظِرًا، وَأَلاَّ يَكُونَ لِدَفْعِهِ وَسِيلَةٌ أُخْرَى.
فَلَيْسَ لِلْجَائِعِ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنَ الْمَيْتَةِ قَبْل أَنْ يَجُوعَ جُوعًا يَخْشَى مِنْهُ الْهَلاَكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَل مِنْ مَال الْغَيْرِ إِذَا اسْتَطَاعَ شِرَاءَ الطَّعَامِ أَوْ دَفْعَ الْجُوعِ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ. وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ لِلاِنْتِفَاعِ بِالْحَرَامِ حَال الاِضْطِرَارِ أَلاَّ يَتَجَاوَزَ الْقَدْرَ اللاَّزِمَ لِدَفْعِهِ.
وَالأَْصْل فِي حِل الاِنْتِفَاعِ مِنَ الْمُحَرَّمِ حَال الاِضْطِرَارِ قَوْله تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} (3) وقَوْله تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّل لَكُمْ
__________
(1) ابن عابدين 3 / 355، وبلغة السالك 2 / 529، والبجيرمي على الخطيب 3 / 391، والمغني 7 / 288.
(2) حاشية الحموي على الأشباه والنظائر ص 108، والشرح الكبير للدردير 2 / 115، 184.
(3) سورة البقرة / 173.
مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} . (1)
وَالْبَحْثُ فِي الاِنْتِفَاعِ بِالْمُحَرَّمِ حَال الاِضْطِرَارِ يَتَنَاوَل الْمَوْضُوعَاتِ الآْتِيَةَ:
أ - الاِنْتِفَاعُ مِنَ الأَْطْعِمَةِ الْمُحَرَّمَةِ:
14 - إِذَا خَافَ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلاَكَ، وَلَمْ يَجِدْ مِنَ الْحَلاَل مَا يَتَغَذَّى بِهِ، جَازَ لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِالْمُحَرَّمِ لِكَيْ يُنْقِذَ حَيَاتَهُ مِنَ الْهَلاَكِ، مَيْتَةً كَانَ أَوْ دَمًا أَوْ مَال الْغَيْرِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الاِنْتِفَاعِ مِنَ الْمُحَرَّمِ حَال الاِضْطِرَارِ، هَل هُوَ وَاجِبٌ يُثَابُ عَلَيْهِ فَاعِلُهُ وَيُعَاقَبُ تَارِكُهُ، أَمْ هُوَ جَائِزٌ لاَ ثَوَابَ وَلاَ عِقَابَ فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ.؟
فَالْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) عَلَى الْوُجُوبِ؛ لأَِنَّ الاِمْتِنَاعَ مِنَ الأَْكْل وَالشُّرْبِ حَال الاِضْطِرَارِ إِلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} . (2)
فَالأَْكْل لِلْغِذَاءِ وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ مَال غَيْرِهِ حَال الاِضْطِرَارِ وَاجِبٌ يُثَابُ عَلَيْهِ إِذَا أَكَل مِقْدَارَ مَا يَدْفَعُ بِهِ الْهَلاَكَ عَنْ نَفْسِهِ " وَمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا مَخُوفًا وَوَجَدَ مُحَرَّمًا لَزِمَهُ أَكْلُهُ (3) ".
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ
__________
(1) سورة الأنعام / 119.
(2) سورة البقرة / 195.
(3) ابن عابدين 5 / 215، والشرح الكبير للدردير 2 / 115، وأسنى المطالب 1 / 570، والمغني 11 / 74.
الصفحة 302