كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 7)

مُتَلَصِّصًا، أَوْ لِشِرَاءِ سِلاَحٍ، فَيَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ. (1)
فَإِنْ قَال: دَخَلْتُ لِسَمَاعِ كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ دَخَلْتُ رَسُولاً، سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهُ كِتَابٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ، أَوْ دَخَلْتُ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ، صُدِّقَ وَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهُ؛ لاِحْتِمَال مَا يَدَّعِيهِ، وَقَصْدُ ذَلِكَ يُؤَمِّنُهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى تَأْمِينٍ؛ (2) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} (3) ، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى الأَْمَانَ لاَ يُصَدَّقُ فِيهِ، بَل يُطَالَبُ بِبَيِّنَةٍ؛ لإِِمْكَانِهَا غَالِبًا، وَلأَِنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْل الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ مَنْ دَخَل مِنَ الْحَرْبِيِّينَ دَارَ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِل مِنْهُ، وَيُحْقَنُ دَمُهُ، إِنْ صَدَّقَتْهُ عَادَةً، كَدُخُول تُجَّارِهِمْ إِلَيْنَا وَنَحْوِهِ؛ لأَِنَّ مَا ادَّعَاهُ مُمْكِنٌ، فَيَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقَتْل؛ وَلأَِنَّهُ يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهُ، وَلِجَرَيَانِ الْعَادَةِ مَجْرَى الشَّرْطِ.
فَيَصْدُقُ إِنْ كَانَ مَعَهُ تِجَارَةٌ يَتَّجِرُ بِهَا؛ لأَِنَّ التِّجَارَةَ لاَ تَحْصُل بِغَيْرِ مَالٍ، وَيُصَدَّقُ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ إِنْ كَانَ مَعَهُ رِسَالَةٌ يُؤَدِّيهَا. وَإِنْ قَال: أَمَّنَنِي مُسْلِمٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
__________
(1) المغني 8 / 523، والمهذب 2 / 259.
(2) مغني المحتاج 4 / 243. واللجنة ترى أن هذا الأمر من الخطورة بمكان، ولا بد من التثبت من صدق ادعائه.
(3) سورة التوبة / 6
أَحَدُهُمَا: يُقْبَل تَغْلِيبًا لِحَقْنِ دَمِهِ، كَمَا يُقْبَل مِنَ الرَّسُول وَالتَّاجِرِ.
وَالثَّانِي: لاَ يُقْبَل؛ لأَِنَّ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ مُمْكِنَةٌ. فَإِنْ قَال مُسْلِمٌ: أَنَا أَمَّنْتُهُ، قُبِل قَوْلُهُ، لأَِنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ، فَقُبِل قَوْلُهُ فِيهِ، كَالْحَاكِمِ إِذَا قَال: حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ بِحَقٍّ. (1)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ (2) : إِنْ أُخِذَ الْحَرْبِيُّ بِأَرْضِ الْحَرْبِيِّينَ حَال كَوْنِهِ مُقْبِلاً إِلَيْنَا، أَوْ قَال: جِئْتُ أَطْلُبُ الأَْمَانَ مِنْكُمْ، أَوْ أُخِذَ بِأَرْضِنَا وَمَعَهُ تِجَارَةٌ، وَقَال لَنَا: إِنَّمَا دَخَلْتُ أَرْضَكُمْ بِلاَ أَمَانٍ، لأَِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ لاَ تَتَعَرَّضُونَ لِتَاجِرٍ، أَوْ أُخِذَ عَلَى الْحُدُودِ بَيْنَ أَرْضِنَا وَأَرْضِهِمْ، وَقَال مَا ذُكِرَ، فَيُرَدُّ لِمَأْمَنِهِ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ.
فَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةُ كَذِبٍ، لَمْ يُرَدَّ لِمَأْمَنِهِ.
أَمَّا إِنْ دَخَل الْحَرْبِيُّ بِلاَدَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَلَمْ تَتَحَقَّقْ حَالَةٌ مِنَ الْحَالاَتِ السَّابِقَةِ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُعْتَبَرُ كَالأَْسِيرِ أَوِ الْجَاسُوسِ، فَيُخَيَّرُ فِيهِ الإِْمَامُ بَيْنَ الْقَتْل وَالاِسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ. وَفِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ يَكُونُ فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. (3)
__________
(1) المبسوط 10 / 93، ورد المحتار 3 / 248، وشرح السير الكبير 1 / 198، ومغني المحتاج 4 / 243، وكشاف القناع 3 / 100، والمغني 8 / 437، 523. والحنفية ومعهم الحنابلة اشترطوا لتصديق الرسول أن يكون معه كتاب يشبه أن يكون كتاب مليكه، وإن احتمل أن مفتعل، لأن الرسول آمن، كما جرى به عرف الجاهلية والإسلام، وأما الشافعية فلم يشترطوا وجود كتاب معه، كما ذكر أعلاه.
(2) الشرح الكبير 2 / 186، والشرح الصغير 2 / 289.
(3) المبسوط 10 / 93، وشرح السير الكبير 1 / 198، والفتاوى الهندية 2 / 186، ورد المحتار 3 / 249، والشرح الكبير 2 / 186، والشرح الصغير 2 / 289، والمهذب 2 / 259، وكشاف القناع 3 / 100، والمغني 8 / 523. وهذه مسائل زمنية، واللجنة ترى أنه يراعي الآن ما هو الأصلح.

الصفحة 107