كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 8)

الْقَتْل بَعْدَ الْفَرَاغِ وَالأَْسْرَ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ. وَأَمَّا قَتْلُهُمَا حَال الْحَرْبِ فَدَفْعًا لِشَرِّهِمْ كَدَفْعِ الصَّائِل (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ حَضَرَ مَعَ الْبُغَاةِ عَبِيدٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ قُوتِلُوا مُقْبِلِينَ، وَتُرِكُوا مُدْبِرِينَ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَْحْرَارِ وَالذُّكُورِ الْبَالِغِينَ؛ لأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ، وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ هَؤُلاَءِ قَتْل إِنْسَانٍ جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ.
وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبُغَاةَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّتِهِمْ تُرِكُوا، إِلاَّ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِمْ تَلَفُ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ (2) .

حُضُورُ مَنْ لاَ يُقَاتِل مِنَ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِتَال مَعَ الْبُغَاةِ:
25 - إِذَا حَضَرَ مَعَ الْبُغَاةِ مَنْ لاَ يُقَاتِل - بِرَغْمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِتَال - لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْصَدَ بِالْقَتْل؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنْ قِتَالِهِمْ كَفُّهُمْ، وَهَذَا قَدْ كَفَّ نَفْسَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} (3) فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى تَحْرِيمِ قَتْل الْمُؤْمِنِ
__________
(1) البدائع 7 / 141، 101، وابن عابدين 3 / 311، والمهذب 2 / 220، حاشية الدسوقي4 / 299، والتاج والإكليل6 / 278.
(2) كشاف القناع 6 / 163، والمغني 8 / 110، والدسوقي 4 / 99.
(3) سورة النساء / 93.
عَمْدًا عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، وَإِنَّمَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَل ضَرُورَةَ دَفْعِ الْبَاغِي وَالصَّائِل، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ، فَمَنْ لاَ يُقَاتِل تَوَرُّعًا عَنْهُ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ - وَلاَ يُخَافُ مِنْهُ الْقِتَال بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ لاَ يَحْتَاجُ لِدَفْعٍ فَلاَ يَحِل دَمُهُ (1) .
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ قَتْلُهُ؛ لأَِنَّ عَلِيًّا نَهَاهُمْ عَنْ قَتْل مُحَمَّدٍ السَّجَّادِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ يُقَاتِل، وَإِنَّمَا كَانَ يَحْمِل رَايَةَ أَبِيهِ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ وَأَنْشَدَ شِعْرًا، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلِيٌّ قَتْلَهُ؛ وَلأَِنَّهُ صَارَ رِدْءًا لَهُمْ (2) .

حُكْمُ قِتَال الْمَحَارِمِ مِنَ الْبُغَاةِ:
26 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ قَتْل الْعَادِل لِذِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، وَقَصَرَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ عَلَى الأَْبَوَيْنِ فَقَطْ. بَل مِنْهُمْ مَنْ قَال بِجَوَازِ قَتْل أَبَوَيْهِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهَا الْقَاضِي. وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (3) وَلِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ
__________
(1) المغني 8 / 109 - 110.
(2) المهذب2 / 219 - 220.
(3) سورة لقمان / 15.

الصفحة 147