كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 8)
تَقَاتُل أَهْل الْبَغْيِ:
32 - إِنِ اقْتَتَل فَرِيقَانِ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، فَإِنْ قَدَرَ الإِْمَامُ عَلَى قَهْرِهِمَا، لَمْ يُعَاوِنْ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى خَطَأٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَهْرِهِمَا، وَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى قِتَالِهِ، ضَمَّ إِلَى نَفْسِهِ أَقْرَبَهُمَا إِلَى الْحَقِّ. فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ فِي ضَمِّ أَحَدِهِمَا، وَلاَ يَقْصِدْ بِذَلِكَ مُعَاوَنَتَهُ عَلَى الآْخَرِ، بَل يَقْصِدُ الاِسْتِعَانَةَ بِهِ عَلَى الآْخَرِ، فَإِذَا انْهَزَمَ الآْخَرُ لَمْ يُقَاتِل الَّذِي ضَمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى الطَّاعَةِ؛ لأَِنَّهُ بِالاِسْتِعَانَةِ بِهِ حَصَل عَلَى الأَْمَانِ، نَصَّ عَلَى هَذَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (1) .
وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا رَجَعْنَا إِلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حُكْمُ هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَجَاءَ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ قَتَل بَاغٍ مِثْلَهُ عَمْدًا فِي عَسْكَرِهِمْ، ثُمَّ ظَهَرَ أَهْل الْعَدْل عَلَى الْبُغَاةِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْقَاتِل؛ لِكَوْنِ الْمَقْتُول مُبَاحَ الدَّمِ؛ إِذْ لَوْ قَتَلَهُ الْعَادِل لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْبَاغِي الْقَاتِل دِيَةٌ وَلاَ قِصَاصٌ، وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ وَلأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لإِِمَامِ الْعَدْل حِينَ الْقَتْل، فَلَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِلْجَزَاءِ، كَالْقَتْل فِي دَارِ الْحَرْبِ (2) .
__________
(1) المهذب 2 / 220، والمغني 8 / 110ـ 111.
(2) الهداية والفتح والعناية 4 / 413، والدر المختار 3 / 312، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي 3 / 295.
وَقَالُوا: لَوْ غَلَبَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ، فَقَاتَلَهُمْ آخَرُونَ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْبُوا ذَرَارِيَّ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَجَبَ عَلَى أَهْل الْبَلَدِ أَنْ يُقَاتِلُوا دِفَاعًا عَنْ ذَرَارِيِّهِمْ (1) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا: لَوْ قَتَل تَاجِرٌ مِنْ أَهْل الْعَدْل تَاجِرًا آخَرَ مِنْ أَهْل الْعَدْل فِي عَسْكَرِ أَهْل الْبَغْيِ، أَوْ قَتَل الأَْسِيرُ مِنْ أَهْل الْعَدْل أَسِيرًا آخَرَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْفِعْل لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا لِلْجَزَاءِ؛ لِتَعَذُّرِ الاِسْتِيفَاءِ وَانْعِدَامِ الْوِلاَيَةِ، كَمَا لَوْ فَعَل ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ عَسْكَرَ أَهْل الْبَغْيِ فِي حَقِّ انْقِطَاعِ الْوِلاَيَةِ وَدَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ (2) .
اسْتِعَانَةُ الْبُغَاةِ بِالْكُفَّارِ:
33 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِالْحَرْبِيِّينَ وَأَمَّنُوهُمْ، أَوْ عَقَدُوا لَهُمْ ذِمَّةً، لَمْ يُعْتَبَرِ الأَْمَانُ بِالنِّسْبَةِ لَنَا إِنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ؛ لأَِنَّ الأَْمَانَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ إِلْزَامُ كَفِّهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَؤُلاَءِ يَشْتَرِطُونَ عَلَيْهِمْ قِتَال الْمُسْلِمِينَ، فَلاَ يَصِحُّ الأَْمَانُ لَهُمْ. وَلأَِهْل الْعَدْل قِتَالُهُمْ، وَحُكْمُ أَسِيرِهِمْ فِي يَدِ أَهْل الْعَدْل حُكْمُ الأَْسِيرِ الْحَرْبِيِّ (3) .
__________
(1) فتح القدير 4 / 416.
(2) بدائع الصنائع 7 / 141ـ 142.
(3) فتح القدير 4 / 416، ونهاية المحتاج 7 / 388، المغني 8 / 121.
الصفحة 152