كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 8)
ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ. . . إِلَخِ الْحَدِيثِ (1) .
اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ:
16 - اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَكْرُوهٌ إِنْ كَانَ بِلاَ صَوْتٍ، وَحَرَامٌ إِنْ كَانَ مَعَهُ صَوْتٌ (2) . وَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يُجِيزُونَ الاِجْتِمَاعَ لِلْبُكَاءِ (3) .
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَفِيَّةُ وَلاَ الْحَنَابِلَةُ لاِجْتِمَاعِ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ. عَلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ الْبُكَاءِ بِالدَّمْعِ فَقَطْ بِلاَ صَوْتٍ، وَإِنَّمَا تَأْتِي الْكَرَاهَةُ أَوِ التَّحْرِيمُ عَلَى مَا إِذَا قُصِدَ الاِجْتِمَاعُ لَهُ.
هَذَا، وَإِذَا كَانَ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ مَكْرُوهًا أَوْ مُحَرَّمًا فَكَرَاهَةُ أَوْ تَحْرِيمُ اجْتِمَاعِ الرِّجَال لَهُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا خَصَّ الْفُقَهَاءُ النِّسَاءَ بِالذِّكْرِ لأَِنَّ هَذَا شَأْنُهُنَّ (4) .
أَثَرُ بُكَاءِ الْمَوْلُودِ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ:
17 - إِذَا بَكَى الْمَوْلُودُ عِنْدَ وِلاَدَتِهِ، بِأَنِ اسْتَهَل
__________
(1) حديث: " زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى. . . " أخرجه مسلم (2 / 671 ـ ط الحلبي) .
(2) جواهر الإكليل 1 / 114، ومواهب الجليل 2 / 240، 241، وحاشية الدسوقي 1 / 424.
(3) مغني المحتاج 1 / 356.
(4) حاشية الدسوقي 1 / 424.
صَارِخًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُل عَلَى تَحَقُّقِ حَيَاتِهِ، سَوَاءٌ انْفَصَل بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَمْ لَمْ يَنْفَصِل كَمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. فَإِنْ لَمْ يَبْكِ، وَلَمْ تُوجَدْ مِنْهُ عَلاَمَةٌ تَدُل عَلَى الْحَيَاةِ فَلاَ يُحْكَمُ بِحَيَاتِهِ. فَإِنْ بَدَا مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى حَيَاتِهِ، كَالْبُكَاءِ وَالصُّرَاخِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ الأَْحْيَاءِ، فَيُسَمَّى وَيَرِثُ، وَيُقْتَصُّ مِنْ قَاتِلِهِ عَمْدًا، وَيَسْتَحِقُّ مَوَالِيهِ الدِّيَةَ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ تَحَقُّقِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُورَثُ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِهْلاَل) .
أَثَرُ بُكَاءِ الْبِكْرِ عِنْدَ الاِسْتِئْذَانِ لِتَزْوِيجِهَا:
18 - إِذَا اسْتُؤْذِنَتِ الْبِكْرُ فِي النِّكَاحِ فَبَكَتْ، فَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ فِي دَلاَلَتِهِ عَلَى الرِّضَا وَعَدَمِهِ اتِّجَاهَاتٍ ثَلاَثَةً:
أ - فَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: إِنْ كَانَ الْبُكَاءُ بِلاَ صَوْتٍ فَيَدُل عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ كَانَ بِصَوْتٍ فَلاَ يَدُل عَلَى الرِّضَا (1) .
ب - وَالْمَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ: إِنَّ بُكَاءَ الْبِكْرِ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ، وَهِيَ الَّتِي يُزَوِّجُهَا غَيْرُ الأَْبِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، يُعْتَبَرُ رِضًا؛ لاِحْتِمَال أَنَّ هَذَا الْبُكَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِفَقْدِ الأَْبِ مَثَلاً، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لِلْمَنْعِ مِنَ
__________
(1) الاختيار لتعليل المختار 3 / 92 ط دار المعرفة، وفتح الباري 9 / 193 ـ ط الرياض.
الصفحة 174