كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 8)
مِنْهُ بِنَوْعِ خَفَاءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَعْضِ، (1) فَالْبَيَانُ أَعَمُّ مِنَ التَّأْوِيل.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَيَانِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
4 - الْبَيَانُ بِالْقَوْل وَالْفِعْل:
الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْبَيَانَ يَحْصُل بِالْفِعْل مِنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يَحْصُل بِالْقَوْل.
وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْبَيَانَ قَدْ يَحْصُل بِالْفِعْل: أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيَّنَ مَوَاقِيتَ الصَّلاَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفِعْل، حَيْثُ أَمَّهُ فِي الْبَيْتِ يَوْمَيْنِ، (2) وَلَمَّا سُئِل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ قَال لِلسَّائِل: صَل مَعَنَا (3) وَكَمَا قَال: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (4) ثُمَّ صَلَّى فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، فَبَيَّنَ لَهُ الْمَوَاقِيتَ بِالْفِعْل. وَفِي الْحَجِّ قَال لأَِصْحَابِهِ: خُذُوا عَنِّي
__________
(1) دستور العلماء 1 / 257، والتعريفات للجرجاني مادة: " البيان ".
(2) حديث إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عند البيت يومين، أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مطولا وقال: هذا حديث حسن صحيح. (سنن الترمذي 1 / 278، 280 ط الحلبي، ونصب الراية 1 / 221) .
(3) حديث: " صل معنا. . . " أخرجه مسلم مطولا (صحيح مسلم 1 / 428 ط الحلبي) .
(4) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 111ـ ط السلفية) .
مَنَاسِكَكُمْ، (1) وَلأَِنَّ الْبَيَانَ عِبَارَةٌ عَنْ إِظْهَارِ الْمُرَادِ. فَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالْفِعْل أَبْلَغَ مِنْهُ بِالْقَوْل؛ لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَلْقِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا ثُمَّ لَمَّا رَأَوْهُ حَلَقَ بِنَفْسِهِ حَلَقُوا فِي الْحَال. (2) فَعَرَفْنَا أَنَّ إِظْهَارَ الْمُرَادِ يَحْصُل بِالْفِعْل كَمَا يَحْصُل بِالْقَوْل.
وَقَال الْكَرْخِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لاَ يَكُونُ الْبَيَانُ إِلاَّ بِالْقَوْل، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ بَيَانَ الْمُجْمَل لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُتَّصِلاً، وَالْفِعْل لاَ يَكُونُ مُتَّصِلاً بِالْقَوْل. (3) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرِ الْمُلْحَقَ الأُْصُولِيَّ.
أَنْوَاعُ الْبَيَانِ
5 - قَال الْبَزْدَوِيُّ: الْبَيَانُ عَلَى أَوْجُهٍ: بَيَانُ تَقْرِيرٍ، وَبَيَانُ تَفْسِيرٍ، وَبَيَانُ تَغْيِيرٍ، وَبَيَانُ تَبْدِيلٍ، وَبَيَانُ ضَرُورَةٍ، فَهِيَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ. (4)
وَتَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّ إِضَافَةَ الْبَيَانِ إِلَى التَّقْرِيرِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيل مِنْ قَبِيل إِضَافَةِ الْجِنْسِ إِلَى نَوْعِهِ كَعِلْمِ الطِّبِّ، أَيْ بَيَانٌ هُوَ تَقْرِيرٌ، وَكَذَا الْبَاقِي، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الضَّرُورَةِ مِنْ قَبِيل إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى سَبَبِهِ. (5)
__________
(1) حديث: " خذوا عني مناسككم " أخرجه مسلم (2 / 943 ـ ط الحلبي) وأحمد (3 / 318 ـ ط الميمنية) واللفظ لأحمد.
(2) حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالحلق عام الحديبية أخرجه البخاري (الفتح 5 / 332 ط السلفية) .
(3) أصول السرخسي 2 / 27، وإرشاد الفحول ص 173.
(4) أصول البزدوي 3 / 105.
(5) كشف الأسرار 3 / 106.
الصفحة 220