كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 8)

الْمَال إِلَى غَيْرِ عَدْلٍ، وَلاَ يَسْتَقْصِي عَلَيْهِ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال فَيَظْهَرُ مِنْهُ التَّضْيِيعُ وَسُوءُ التَّصَرُّفِ.
وَمِنْ أَوْجُهِ فَسَادِ بَيْتِ الْمَال أَيْضًا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَابِدِينَ: أَنْ يَخْلِطَ الإِْمَامُ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال الأَْرْبَعَةِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، فَلاَ تَكُونُ مُفْرَزَةً (1) .
25 - وَإِذَا فَسَدَ بَيْتُ الْمَال تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أ - أَنَّ لِمَنْ عَلَيْهِ حَقًّا لِبَيْتِ الْمَال - إِذَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ - أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ بِقَدْرِ حَقِّهِ هُوَ فِي بَيْتِ الْمَال، إِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ لَمْ يُعْطَهْ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ مُبَاشَرَةً فِي مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَال، كَبِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِخُصُوصِ لُقَطَةٍ حَصَل الْيَأْسُ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا، أَوْ نَحْوِ ثَوْبٍ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ صَاحِبُهُ وَأَيِسَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا أَيْضًا: مَا انْحَسَرَ عَنْهُ مَاءُ النَّهْرِ لَوْ زَرَعَهُ أَحَدٌ لَزِمَتْهُ أُجْرَتُهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ قَدْرُ حِصَّتِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ حِصَّةٌ فِي مَال الْمَصَالِحِ (2) . وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلاً قَال لَهَا: أَصَبْتُ كَنْزًا فَرَفَعْتُهُ إِلَى السُّلْطَانِ. فَقَالَتْ لَهُ: بِفِيكَ
__________
(1) ابن عابدين 2 / 56.
(2) القليوبي 3 / 89، 187.
الْكَثْكَثُ. وَالْكَثْكَثُ: التُّرَابُ (1) .
ب - وَمِنْهَا: لَوْ مَنَعَ السُّلْطَانُ حَقَّ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَظَفِرَ أَحَدُهُمْ بِمَالٍ لِبَيْتِ الْمَال، فَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْتَحِقُّ قَدْرَ مَا كَانَ يُعْطِيهِ الإِْمَامُ. وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ.
ثَانِيهَا: أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ كُل يَوْمٍ قَدْرَ قُوتِهِ.
وَثَالِثُهَا: يَأْخُذُ كِفَايَةَ سَنَتِهِ.
وَرَابِعُهَا: لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ السَّرِقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، سَوَاءٌ انْتَظَمَ أَمْ لَمْ يَنْتَظِمْ، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ الْقَوْل الرَّابِعَ مِنَ الأَْقْوَال الَّتِي نَقَلَهَا الْغَزَالِيُّ.
وَمُفَادٌ مَا يَذْكُرُهُ الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَال أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ دِيَانَةً، إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الأَْخْذُ مِنْ غَيْرِ بَيْتِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ هُوَ مِنْهُ إِلاَّ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي زَمَانِنَا؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ إِلاَّ مِنْ بَيْتِهِ لَزِمَ أَنْ لاَ يَبْقَى حَقٌّ لأَِحَدٍ فِي زَمَانِنَا؛ لِعَدَمِ إِفْرَازِ كُل بَيْتٍ عَلَى حِدَةٍ، بَل يَخْلِطُونَ الْمَال كُلَّهُ. وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْ مَا ظَفِرَ بِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُصُول إِلَى شَيْءٍ، كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَابِدِينَ (2) .
__________
(1) ابن عابدين 2 / 56.
(2) العذب الفائض1 / 19.

الصفحة 261