كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 9)
جَاءَ فِي الْهِدَايَةِ: أَنَّ مَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ بَاعَهَا وَأُخْرَى مَعَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْبَائِعِ قَبْل نَقْدِ الثَّمَنِ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِي الَّتِي لَمْ يَشْتَرِهَا مِنَ الْبَائِعِ، وَلاَ يَجُوزُ فِي الأُْخْرَى لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَجْعَل الثَّمَنَ بِمُقَابَلَةِ الَّتِي لَمْ يَشْتَرِهَا،
فَيَكُونَ مُشْتَرِيًا لِلأُْخْرَى بِأَقَل مِمَّا بَاعَ قَبْل نَقْدِ الثَّمَنِ، وَهُوَ فَاسِدٌ بِشُبْهَةِ الرِّبَا (1) .
أَمَّا إِذَا كَانَ الْفَسَادُ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، لأَِنَّهُمَا لاَ يُفَرِّقَانِ بَيْنَ الْفَسَادِ الطَّارِئِ وَالْفَسَادِ الْمُقَارِنِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: مَتَى فَسَدَ الْعَقْدُ فِي الْبَعْضِ بِمُفْسِدٍ مُقَارِنٍ يَفْسُدُ فِي الْكُل (2) لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ الْفَسَادُ مُقَارِنًا يَصِيرُ قَبُول الْعَقْدِ فِي الْفَاسِدِ شَرْطَ قَبُول الْعَقْدِ فِي الآْخَرِ، وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ، فَيُؤَثِّرُ فِي الْكُل، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْفَسَادِ الطَّارِئِ، فَاقْتَصَرَ الْفَسَادُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْمُفْسِدِ.
وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا اشْتَرَى دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ نَسِيئَةً، ثُمَّ نَقَدَ بَعْضَ الْعَشَرَةِ دُونَ الْبَعْضِ فِي الْمَجْلِسِ فَسَدَ الْكُل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لأَِنَّ الْفَسَادَ مُقَارِنٌ لِلْعَقْدِ، فَيُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْكُل. وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ بِقَدْرِ مَا قَبَضَ وَيَفْسُدُ فِي الْبَاقِي، بِنَاءً عَلَى اقْتِصَارِ الْفَسَادِ عَلَى قَدْرِ الْمُفْسِدِ (3) .
__________
(1) الفتح مع الهداية / 71 - 73، وابن عابدين 4 / 116
(2) ابن عابدين 5 / 6
(3) البدائع 5 / 217، 250، 251، والفتح والعناية على الهداية 6 / 73
أَمْثِلَةٌ لِلْبَيْعِ الْفَاسِدِ:
18 - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ - بَعْدَ بَيَانِ الْبَيْعِ الْبَاطِل - أَمْثِلَةً عَنِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ: بَيْعُ مَا سُكِتَ فِيهِ عَنِ الثَّمَنِ، كَبَيْعِهِ بِقِيمَتِهِ، وَذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ، وَبَيْعِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ (1) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: {نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ} (2) وَبَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ، وَاللَّحْمِ فِي الشَّاةِ، وَجِذْعٍ فِي سَقْفٍ، وَثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ إِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ خِيَارُ التَّعْيِينِ.
أَمَّا اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ فَلِلْجَهَالَةِ وَاخْتِلاَطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ، وَكَذَا الصُّوفُ عَلَى الظَّهْرِ، وَلاِحْتِمَال وُقُوعِ التَّنَازُعِ، وَقَدْ {نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ لَبَنٍ فِي ضَرْعٍ، وَسَمْنٍ فِي لَبَنٍ} (3) .
__________
(1) الملامسة: أن يلمس كل منهما ثوب صاحبه بغير تأمل ليلزم الملامس البيع من غير خيار له عند الرؤية. والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر ولا ينظر إلى ثوب صاحبه على أن يجعل النبذ بيعا، وهذه كانت بيوعا يتعارفونها في الجاهلية (ابن عابدين 4 / 109)
(2) حديث: " نهى عن الملامسة والمنابذة ". أخرجه مسلم (3 / 1151 ط الحلبي) ، والبخاري (الفتح 4 / 359 ط السلفية)
(3) حديث: " نهى عن بيع لبن في ضرع وسمن في لبن " أخرجه الدارقطني (3 / 14 ط دار المحاسن) ، والبيهقي (5 / 340 ط دائرة المعارف العثمانية) . وقال البيهقي: تفرد برفعه عمر بن فروخ وليس بالقوي، ورواه موقوفا. وكذا صوب الدارقطني وقفه على ابن عباس
الصفحة 104