كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 9)

الْمُتَنَجِّسِ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمُ الْمَنْعُ مِنَ الْبَيْعِ، لِتَعَذُّرِ التَّطْهِيرِ، لِحَدِيثِ الْفَأْرَةِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ لَمْ يَقُل فِي الْحَدِيثِ: {أَلْقَوْهَا وَمَا حَوْلَهَا} وَفِي رِوَايَةٍ: {فَأَرِيقُوهُ} (1) وَكَذَلِكَ الْخِلاَفُ عِنْدَهُمْ فِي بَيْعِ الْمَاءِ النَّجِسِ.
فَيَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، لإِِمْكَانِ تَطْهِيرِهِ بِالْمُكَاثَرَةِ.
وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِمَنْعِ الْجَوَازِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - كَمَا يَقُول الْقَلْيُوبِيُّ نَقْلاً عَنْ شَيْخِهِ - إِنْ كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَذَلِكَ نَظَرًا إِلَى النَّجَاسَةِ الآْنَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ صَحَّ عِنْدَهُمْ (2) .
وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيزُوا بَيْعَ الدُّهْنِ النَّجِسِ، رَوَوْا عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، وَيَسْتَبِيحُ أَكْلَهُ، وَلأَِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى: لُتُّوا بِهِ السَّوِيقَ وَبِيعُوهُ، وَلاَ تَبِيعُوهُ مِنْ مُسْلِمٍ، وَبَيِّنُوهُ. لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَدَمُ الْجَوَازِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا} (3) .
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج 2 / 157، وتحفة المحتاج 4 / 235، 236، وحاشية الشرواني عليها. وحديث " ألقوها وما حولها. . . " وفي رواية: " فأريقوه ". أخرجه البخاري. (فتح الباري 9 / 668 ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.
(2) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه 2 / 157.
(3) حديث " لعن الله اليهود " سبق تخريجه. ف / 10.
وَلأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنْ مُسْلِمٍ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنْ كَافِرٍ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ لَهُمْ.
وَلأَِنَّهُ دُهْنٌ نَجِسٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِكَافِرٍ، كَشُحُومِ الْمَيْتَةِ (1) .
هَذَا، وَأَمَّا الثَّوْبُ الْمُتَنَجِّسُ أَوِ الإِْنَاءُ الْمُتَنَجِّسُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ كُل مَا يَطْهُرُ بِالْغَسْل مِنَ الْمُتَنَجِّسَاتِ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى صِحَّةِ بَيْعِهِ، لِمَا أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ التَّطْهِيرِ، وَطَهَارَتُهُ أَصْلِيَّةٌ، وَإِنَّمَا عَرَضَ لَهَا نَجَاسَةٌ يُمْكِنُ إِزَالَتُهَا.
وَقَدْ أَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ تَبْيِينَ النَّجَاسَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الثَّوْبُ - مَثَلاً - جَدِيدًا أَمْ قَدِيمًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُفْسِدُهُ الْغَسْل أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمُشْتَرِي يُصَلِّي أَمْ لاَ، قَالُوا: لأَِنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُهُ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَجَبَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ (2) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا - خِلاَفًا لِلأَْصَحِّ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ - عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ، وَهُوَ الَّذِي عَرَضَتْ لَهُ النَّجَاسَةُ، وَأَجَازُوا الاِنْتِفَاعَ بِهِ فِي غَيْرِ الأَْكْل، كَالاِسْتِصْبَاحِ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ وَالدَّبَّاغَةِ وَغَيْرِهِمَا (3) .
وَفَرَّقُوا بَيْنَ الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ وَبَيْنَ دُهْنِ الْمَيْتَةِ،
__________
(1) الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 15، وكشاف القناع 3 / 156.
(2) الشرح الكبير للدردير 3 / 10، وانظر شرح المحلي على المنهاج 2 / 157، وكشاف القناع 3 / 6.
(3) الدر المختار 4 / 114.

الصفحة 151