كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 9)
فَإِنَّ هَذَا نَجِسٌ، لأَِنَّهُ جُزْؤُهَا، فَلاَ يَكُونُ مَالاً، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ اتِّفَاقًا، كَمَا لاَ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ (1) وَاسْتَدَل لَهُ ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِحَدِيثِ: {إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ. فَقِيل يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ} (2) .
12 - وَيَتَّصِل بِغَيْرِ الْمُتَقَوَّمِ وَالنَّجَاسَاتِ وَالْمُتَنَجِّسَاتِ، بَيْعُ عَظْمِ الْمَيْتَةِ وَجِلْدِهَا وَصُوفِهَا وَحَافِرِهَا وَرِيشِهَا وَنَحْوِهَا.
وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا لِنَجَاسَتِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (3) وَهَذِهِ أَجْزَاءُ الْمَيْتَةِ، فَتَكُونُ حَرَامًا، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: {لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ} (4) . بَل نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ شَيْءٍ مِنَ الْمَيْتَةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِمُضْطَرٍّ، إِلاَّ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ وَالْجُنْدُبَ، لِحِل أَكْلِهَا (5) .
__________
(1) رد المحتار 4 / 114، وانظر تبيين الحقائق 4 / 51.
(2) حديث " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة. . . " سبق تخريجه (ف 7) .
(3) سورة المائدة / 3.
(4) حديث " لا تنتفعوا من الميتة. . . " أخرجه الترمذي (4 / 222 ط عيسى الحلبي) من حديث عبد الله بن عكيم وحسنه.
(5) انظر الشرح الكبير للدردير 3 / 10 وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 22، وكشاف القناع 3 / 155، 156.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَفَصَّلُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ غَيْرِ الآْدَمِيِّ وَبَيْنَ الآْدَمِيِّ، وَبَيْنَ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْل الدَّبْغِ وَبَيْنَ جِلْدِهَا بَعْدَ الدَّبْغِ. قَالُوا:
أ - إِنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ قَبْل الدَّبْغِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا: {لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ} وَلأَِنَّ نَجَاسَتَهُ مِنَ الرُّطُوبَاتِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ بِأَصْل الْخِلْقَةِ، فَصَارَ كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ. بِخِلاَفِ الثَّوْبِ النَّجِسِ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لأَِنَّ نَجَاسَتَهُ لَيْسَتْ بِأَصْل الْخِلْقَةِ، فَلاَ يُمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ.
ب - أَمَّا بَعْدَ الدَّبْغِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ، لأَِنَّهُ طَهُرَ بِالدَّبَّاغِ.
ج - أَمَّا الْعَظْمُ وَنَحْوُهُ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ بِأَصْل الْخِلْقَةِ، وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ كُل شَيْءٍ لاَ يَسْرِي فِيهِ الدَّمُ لاَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، كَالشَّعْرِ وَالرِّيشِ وَالْوَبَرِ وَالْقَرْنِ وَالْحَافِرِ وَالْعَظْمِ - كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي الطِّهَارَاتِ (1) - فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَهُ الْكَاسَانِيُّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل لَنَا هَذِهِ الأَْشْيَاءَ، وَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِهَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الذَّكِيَّةِ وَالْمَيِّتَةِ، فَيَدُل عَلَى تَأَكُّدِ الإِْبَاحَةِ، قَال تَعَالَى: {وَاللَّهُ جَعَل لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَل لَكُمْ
__________
(1) انظر في طهارة هذه المذكورات - على سبيل المثال - مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي عليه ص 91 ط الثالثة، بولاق سنة 1318 هـ.
الصفحة 152