كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 9)
قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (1) .
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ هَذَا التَّفْرِيقِ:
102 - هَذَا التَّفْرِيقُ غَيْرُ جَائِزٍ - بِوَجْهٍ عَامٍّ، وَعَلَى التَّفْصِيل الآْتِي فِي أَحْوَالِهِ - عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ:
مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ التَّفْرِيقَ بِالْبَيْعِ حَرَامٌ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ: يَجِبُ فَسْخُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُهُمَا فِي حَوْزٍ (أَوْ مِلْكٍ وَاحِدٍ) . عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَغَيْرِهَا سَيَأْتِي:
وَعِنْدَهُمَا (الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ) : الْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: يُمْنَعُ مِنَ التَّفْرِيقِ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ مُفِيدٌ لِلْحُكْمِ بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالْبَائِعُ آثِمٌ بِالتَّفْرِيقِ.
وَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ فِي الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ، جَائِزٌ فِي سَائِرِ ذَوِي الأَْرْحَامِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
__________
(1) حديث: " من فرق بين والدة وولدها. . . " أخرجه الترمذي (3 / 511 ط الحلبي) وصححه الحاكم (1 / 55 ط دائرة المعارف العثمانية)
وَتَفْصِيل أَدِلَّةِ هَذِهِ الاِتِّجَاهَاتِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (رِق) .
103 - هَذَا وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ، بِحَيْثُ يَشْمَل كُل تَفْرِيقٍ بَيْنَ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ قَصْرُهُ عَلَى التَّفْرِيقِ بِالْبَيْعِ بَيْنَ الأُْمِّ الْوَالِدَةِ وَبَيْنَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ (أَيْ لَمْ يُبَدِّل أَسْنَانَهُ) فَقَطْ.
وَالشَّافِعِيَّةُ قَصَرُوهُ عَلَى قَرَابَةِ الْوِلاَدِ مَهْمَا نَزَل، إِذَا كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا حَتَّى يُمَيِّزَ وَيَسْتَقِل بِنَفْسِهِ، فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ سَبْعَ سِنِينَ (1) .
وَتَفْصِيل الأَْدِلَّةِ فِي مُصْطَلَحِ (رِق) .
حُكْمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَيَوَانِ الصَّغِيرِ وَبَيْنَ أُمِّهِ:
104 - الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، جَوَازُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ وَبَيْنَ أُمِّهِ، وَأَنَّ التَّفْرِيقَ الْمَمْنُوعَ خَاصٌّ بِالْعَاقِل. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْهُمْ: الْمَنْعُ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأُْمِّ وَبَيْنَ وَلَدِهَا فِي الْحَيَوَانِ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ أُمِّهِ بِالرَّعْيِ.
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 232، وتبيين الحقائق 4 / 68، والهداية مع شروحها 6 / 108، والمغني 3 / 307، وكفاية الطالب 2 / 147، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 72، 73، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج بحاشيتي الشرواني والعبادي 4 / 319، 320
الصفحة 207