كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 9)

بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (1) قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ: بِعَيْنِهَا، وَعَاصِرِهَا، وَمُعْتَصِرِهَا، وَبَائِعِهَا، وَمُبْتَاعِهَا، وَحَامِلِهَا، وَالْمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ، وَآكِل ثَمَنِهَا، وَشَارِبِهَا، وَسَاقِيهَا (2) .
وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل كَمَا يَقُول عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: أَنَّهُ يَدُل عَلَى تَحْرِيمِ التَّسَبُّبِ إِلَى الْحَرَامِ (3) .
وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ قَيِّمًا كَانَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ عِنَبٍ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ زَبِيبًا، وَلاَ يَصْلُحُ أَنْ يُبَاعَ إِلاَّ لِمَنْ يَعْصِرُهُ، فَأَمَرَهُ بِقَلْعِهِ، وَقَال: بِئْسَ الشَّيْخُ أَنَا إِنْ بِعْتُ الْخَمْرَ. وَلأَِنَّهُ يُعْقَدُ الْبَيْعُ عَلَى عَصْرٍ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ لِلْمَعْصِيَةِ، فَأَشْبَهَ إِجَارَةَ الرَّجُل أَمَتَهُ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُهَا لِيَزْنِيَ بِهَا (4) .
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ. وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
__________
(1) سورة المائدة / 2
(2) حديث: " لعنت الخمر. . . " أخرجه ابن ماجه (2 / 1122 ط الحلبي) من حديث ابن عمر، وصححه ابن السكن، التلخيص لابن حجر (3 / 72 ط شركة الطباعة الفنية)
(3) انظر حاشية عميرة على شرح المحلي في ذيل حاشية القليوبي عليه 2 / 184، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 93.
(4) المغني 4 / 284
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ جَائِزٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَنَقَل عَنْ هَذَا قَوْلَهُ: " بِعِ الْحَلاَل مِمَّنْ شِئْتَ (1) " وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ} (2) وَقَدْ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ.
وَلأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ لاَ تَقُومُ بِعَيْنِهِ، بَل بَعْدَ تَغَيُّرِهِ بِشُرْبِهِ، وَهُوَ فِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَلَيْسَ الشُّرْبُ مِنْ ضَرُورَاتِ الْحَمْل؛ لأَِنَّ الشُّرْبَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الْحَمْل، وَلَيْسَ الْحَمْل مِنْ ضَرُورَاتِ الشُّرْبِ، لأَِنَّ الْحَمْل قَدْ يُوجَدُ لِلإِْرَاقَةِ وَالتَّخْلِيل بِالصَّبِّ فِي الْخَل، فَلَيْسَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَمْل، وَصَارَ كَالاِسْتِئْجَارِ لِعَصْرِ الْعِنَبِ، وَهَذَا قِيَاسٌ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ كَمَا قَال الْكَرْلاَنِيُّ. لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ الْمَذْهَبَ - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَأَنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى، فَقَدْ قَال صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا (3) وَكَلِمَةُ لاَ بَأْسَ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، فَتَرْكُهُ أَوْلَى.
وَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا، هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُتُونُ.
__________
(1) الدر المختار 5 / 250، والمغني 4 / 283
(2) سورة البقرة / 275
(3) الهداية بشروحها 8 / 493، وانظر في التعليل والتفصيل في القياس والاستحسان شرح الكفاية على التخصيص في الموضع نفسه

الصفحة 209