كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 9)
لَكِنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يُفْسَخُ، وَيُرَدُّ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَفُتْ بِيَدِهِ، فَإِنْ فَاتَ - بِتَغَيُّرِ سُوقٍ - مَضَى الْعَقْدُ، وَلَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْقِيمَةُ حِينَ الْقَبْضِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيل بِالْقِيمَةِ حِينَ الْبَيْعِ. (1)
وَالَّذِينَ نَصُّوا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ فَسْخِ الْبَيْعِ، أَلْحَقُوا بِهِ نَحْوَ الْبَيْعِ، مِنَ الإِْجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالإِْقَالَةِ وَالشُّفْعَةِ - إِذَا أَخَذَ بِهَا، لاَ لَوْ تُرِكَتْ - لَكِنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِثْل: النِّكَاحِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، فَلاَ يُفْسَخُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ حَرُمَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَبَيْنَ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ عِنْدَهُمْ هُوَ: أَنَّ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ مِمَّا فِيهِ الْعِوَضُ، يَرْجِعُ لِكُلٍّ عِوَضُهُ بِالْفَسْخِ، فَلاَ كَبِيرَ ضَرَرٍ فِيهَا، بِخِلاَفِ مَا لاَ عِوَضَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَبْطُل أَصْلاً لَوْ فُسِخَ. (2)
وَذَكَرَ الْعَدَوِيُّ فِي النِّكَاحِ عِلَّةً أُخْرَى، وَهِيَ حُصُول الضَّرَرِ بِفَسْخِهِ، فَرُبَّمَا يَتَعَلَّقُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِصَاحِبِهِ.
وَهِبَةُ الثَّوَابِ عِنْدَهُمْ (وَهِيَ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِشَرْطِ الْمُكَافَأَةِ كَمَا يُعَبِّرُونَ، أَوْ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، كَمَا يُعَبِّرُ الْحَنَفِيَّةُ وَآخَرُونَ) كَالْبَيْعِ.
__________
(1) شرح الخرشي 2 / 90.
(2) شرح الخرشي بحاشية العدوي 2 / 90، وانظر حاشية العدوي على شرح رسالة ابن أبي زيد 1 / 328.
وَالْخُلْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَمْضِيَ وَلاَ يُفْسَخُ، عَلَى مُقْتَضَى الْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ يَبْطُل أَصْلاً لَوْ فُسِخَ. (1)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ صَرَّحُوا: بِأَنَّ الْبَيْعَ لاَ يَصِحُّ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَلاَ يَنْعَقِدُ لِلَّذِي فِي النَّصِّ الْكَرِيمِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ. (2)
ب - بَيْعُ الْمُصْحَفِ لِلْكَافِرِ:
145 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مَمْنُوعٌ، وَصَرَّحَ جُمْهُورُهُمْ بِالْحُرْمَةِ، وَيَبْدُو مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ بِمُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ وَتَعْلِيلِهِمْ لِلتَّحْرِيمِ.
يَقُول الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَبِيعَ لِلْكَافِرِ مُصْحَفًا أَوْ جُزْأَهُ، وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ؛ لأَِنَّ فِيهِ امْتِهَانَ حُرْمَةِ الإِْسْلاَمِ بِمِلْكِ الْمُصْحَفِ.
وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (3) } .
وَأَصْل هَذَا التَّعْلِيل يَرْجِعُ إِلَى مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
__________
(1) شرح الخرشي في الموضع نفسه.
(2) كشاف القناع 3 / 180، وانظر المغني 2 / 146.
(3) شرح الخرشي 5 / 10 وانظر نحوه في شرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 19، 20.
الصفحة 230