كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 9)

النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا، فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (1) .
قَال الْمَحَلِّيُّ - مِنَ الشَّافِعِيَّةِ -: شَكَّ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ أَحَدُ رُوَاتِهِ، فَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِالأَْقَل، فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ (2) .
3 - وَالْحَنَفِيَّةُ - وَكَذَا مَالِكٌ فِي التَّحْقِيقِ - لَمْ يَسْتَجِيزُوا، بَيْعَ الْعَرَايَا، وَذَلِكَ: لِلنَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَهِيَ: بَيْعُ التَّمْرِ عَلَى رَأْسِ النَّخْل بِتَمْرٍ مَجْدُودٍ مِثْل كَيْلِهِ خَرْصًا (3)
وَلِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -. قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (4) .
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، الآْخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ (5) .
__________
(1) حديث أبي هريرة: " رخص في بيع العرايا " أخرجه البخاري (4 / 387 الفتح ط السلفية) ، ومسلم (2 / 1171 ط الحلبي)
(2) شرح المحلي على المنهاج 2 / 238
(3) ابن عابدين 4 / 109، والقليوبي 2 / 238
(4) حديث عبادة بن الصامت: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة. . . ". أخرجه مسلم (2 / 1211 ط الحلبي)
(5) رواية: " فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء ". المصدر السابق
فَهَذِهِ النُّصُوصُ، وَأَمْثَالُهَا لاَ تُحْصَى، كُلُّهَا مَشْهُورَةٌ، وَتَلَقَّتْهَا الأُْمَّةُ بِالْقَبُول، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُهَا وَلاَ الْعَمَل بِمَا يُخَالِفُهَا، وَهَذَا لأَِنَّ الْمُسَاوَاةَ وَاجِبَةٌ بِالنَّصِّ، وَالتَّفَاضُل مُحَرَّمٌ بِهِ، وَكَذَا التَّفَرُّقُ قَبْل قَبْضِ الْبَدَلَيْنِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا، وَلاَ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُتَأَخِّرًا، كَمَا لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
وَهَذَا لأَِنَّ احْتِمَال التَّفَاضُل ثَابِتٌ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَفَاضَلاَ بِيَقِينٍ، أَوْ كَانَا مَوْضُوعَيْنِ فِي الأَْرْضِ (1) .
4 - وَمَعْنَى الْعَرَايَا، وَتَأْوِيلُهَا عِنْدَ الْمَانِعِينَ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الأَْحَادِيثِ:
أ - أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُل النَّخْلَةُ أَوِ النَّخْلَتَانِ، فِي وَسَطِ النَّخْل الْكَثِيرِ لِرَجُلٍ، وَكَانَ أَهْل الْمَدِينَةِ إِذَا كَانَ وَقْتُ الثِّمَارِ، خَرَجُوا بِأَهْلِيهِمْ إِلَى حَوَائِطِهِمْ، فَيَجِيءُ صَاحِبُ النَّخْلَةِ أَوِ النَّخْلَتَيْنِ، فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِصَاحِبِ النَّخْل الْكَثِيرِ، فَرَخَّصَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ أَنْ يُعْطِيَهُ خَرْصَ مَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ تَمْرًا، لِيَنْصَرِفَ هُوَ وَأَهْلُهُ عَنْهُ، رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ (2) .
ب - وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ قَال: مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنْ يُعْرِي الرَّجُل الرَّجُل نَخْلَةً مِنْ نَخْلِهِ، فَلاَ يُسَلِّمُ ذَلِكَ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ،
__________
(1) تبيين الحقائق 4 / 47، 48 بتصرف
(2) انظر فتح القدير 6 / 54، وانظر نيل الأوطار 5 / 200، 201

الصفحة 92