كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 10)
الاِحْتِيَاطُ فِي الاِفْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِثْبَاتِ الْحُرْمَةِ أَوِ الْكَرَاهَةِ اللَّذَيْنِ لاَ بُدَّ لَهُمَا مِنْ دَلِيلٍ، بَل فِي الْقَوْل بِالإِْبَاحَةِ الَّتِي هِيَ الأَْصْل، وَقَدْ تَوَقَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْمُشَرِّعُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أُمِّ الْخَبَائِثِ - حَتَّى نَزَل عَلَيْهِ النَّصُّ الْقَطْعِيُّ، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلإِْنْسَانِ إِذَا سُئِل عَنْهُ أَنْ يَقُول: هُوَ مُبَاحٌ، لَكِنَّ رَائِحَتَهُ تَسْتَكْرِهُهَا الطِّبَاعُ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ طَبْعًا لاَ شَرْعًا. (1)
16 - ج - إِنْ فُرِضَ إِضْرَارُهُ لِبَعْضِ النَّاسِ فَهُوَ أَمْرٌ عَارِضٌ لاَ لِذَاتِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ يَضُرُّهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَلاَ يَلْزَمُ تَحْرِيمُهُ عَلَى كُل أَحَدٍ، فَإِنَّ الْعَسَل يَضُرُّ بَعْضَ النَّاسِ، وَرُبَّمَا أَمْرَضَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ شِفَاءٌ بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ. (2)
17 - د - صَرْفُ الْمَال فِي الْمُبَاحَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بِسَرَفٍ؛ لأَِنَّ الإِْسْرَافَ هُوَ التَّبْذِيرُ، وَفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ التَّبْذِيرَ بِأَنَّهُ إِنْفَاقُ الْمَال فِي غَيْرِ حَقِّهِ، فَإِذَا كَانَ الإِْنْفَاقُ فِي حَقِّهِ وَلَوْ مُبَاحًا فَلَيْسَ بِسَرَفٍ، وَدَعْوَى أَنَّهُ إِسْرَافٌ فَهَذَا غَيْرُ خَاصٍّ بِالدُّخَّانِ. (3)
__________
(1) ابن عابدين 5 / 296، وتهذيب الفروق 1 / 217، ومطالب أولي النهى 6 / 217، 218، والفواكه العديدة 2 / 84، وحاشية الجمل 3 / 24.
(2) ابن عابدين 5 / 296، وتهذيب الفروق 1 / 218، ورسالة إرشاد السائل للشوكاني ص 50، 51، والفواكه العديدة 2 / 84.
(3) تهذيب الفروق 1 / 218، ومطالب أولي النهى 6 / 217.
18 - هـ - اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ تَحْكِيمَ الْعَقْل وَالرَّأْيِ بِلاَ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ بَاطِلٌ، إِذْ لَيْسَ الصَّلاَحُ بِتَحْرِيمِهِ، وَإِنَّمَا الصَّلاَحُ وَالدِّينُ الْمُحَافَظَةُ بِالاِتِّبَاعِ لِلأَْحْكَامِ الْوَارِدَةِ بِلاَ تَغْيِيرٍ وَلاَ تَبْدِيلٍ، وَهَل الطَّعْنُ فِي أَكْثَرِ النَّاسِ مِنْ أَهْل الإِْيمَانِ وَالدِّينِ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالْفِسْقِ وَالطُّغْيَانِ بِسَبَبِ شُرْبِهِمُ الدُّخَّانَ، وَفِي الْعَامَّةِ مِنْ هَذِهِ الأُْمَّةِ فَضْلاً عَنِ الْخَاصَّةِ، (1) صَلاَحٌ أَمْ فَسَادٌ؟
19 - وَ - حَرَّرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ تَقْلِيدُ مَنْ أَفْتَى بِحُرْمَةِ شُرْبِ الدُّخَّانِ؛ لأَِنَّ فَتْوَاهُمْ إِنْ كَانَتْ عَنِ اجْتِهَادٍ فَاجْتِهَادُهُمْ لَيْسَ بِثَابِتٍ، لِعَدَمِ تَوَافُرِ شُرُوطِ الاِجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَتْ عَنْ تَقْلِيدٍ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ، فَلَيْسَ بِثَابِتٍ كَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل مَا يَدُل عَلَى ذَلِكَ، فَكَيْفَ سَاغَ لَهُمُ الْفَتْوَى وَكَيْفَ يَجِبُ تَقْلِيدُهُمْ؟
ثُمَّ قَال: وَالْحَقُّ فِي إِفْتَاءِ التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ التَّمَسُّكُ بِالأَْصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْضَاوِيُّ فِي الأُْصُول، وَوَصَفَهُمَا بِأَنَّهُمَا نَافِعَانِ فِي الشَّرْعِ.
الأَْوَّل: أَنَّ الأَْصْل فِي الْمَنَافِعِ: الإِْبَاحَةُ، وَالآْيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
الثَّانِي: أَنَّ الأَْصْل فِي الْمَضَارِّ: التَّحْرِيمُ وَالْمَنْعُ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (2) .
__________
(1) مطالب أولي النهى 6 / 218.
(2) حديث: " لا ضرر ولا ضرار. . " أخرجه ابن ماجه (2 / 784 - ط الحلبي) وقال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص 286 - ط الحلبي) : له طرق يقوي بعضها بعضا.
الصفحة 106