كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 10)

هِلاَلِيًّا، وَإِنْ عَيَّنَ شَهْرًا يُعْتَبَرُ الشَّهْرُ بِالْهِلاَل، وَإِنْ فَرَّقَ الاِعْتِكَافَ اسْتَأْنَفَهُ مُتَتَابِعًا. وَقَال زُفَرُ فِي نَذْرِ اعْتِكَافِ شَهْرٍ: إِنْ شَاءَ فَرَّقَ الاِعْتِكَافَ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَهُ. وَإِنْ نَوَى الأَْيَّامَ خَاصَّةً أَيْ دُونَ اللَّيْل صَحَّتْ نِيَّتُهُ؛ لأَِنَّ حَقِيقَةَ الْيَوْمِ بَيَاضُ النَّهَارِ. (1)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ، يَلْزَمُ تَتَابُعُ الاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ فِيمَا إِذَا كَانَ مُطْلَقًا، أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِتَتَابُعٍ وَلاَ عَدَمِهِ. وَأَنَّ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ أَوْ ثَلاَثِينَ يَوْمًا فَلاَ يُفَرِّقُ ذَلِكَ. وَهَذَا بِخِلاَفِ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا أَوْ أَيَّامًا، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الصَّوْمَ إِنَّمَا يُؤَدَّى فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْل فَكَيْفَمَا فَعَل أَصَابَ، مُتَتَابِعًا أَوْ مُفَرَّقًا. وَالاِعْتِكَافُ يَسْتَغْرِقُ الزَّمَانَيْنِ اللَّيْل وَالنَّهَارَ، فَكَانَ حُكْمُهُ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُطْلَقِ: الَّذِي لَمْ يَشْتَرِطْ فِي التَّتَابُعِ لَفْظًا، وَلَمْ يَحْصُل فِيهِ نِيَّةُ التَّتَابُعِ، وَلاَ نِيَّةُ عَدَمِهِ. فَإِنْ حَصَل فِيهِ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عُمِل بِهَا. وَيَلْزَمُ الْمُعْتَكِفَ مَا نَوَاهُ مِنْ تَتَابُعٍ أَوْ تَفْرِيقٍ وَقْتَ الشُّرُوعِ، وَهُوَ حِينَ دُخُولِهِ فِيهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ بِنِيَّتِهِ فَقَطْ؛ لأَِنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لاَ تُوجِبُ شَيْئًا. (2)
وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا
__________
(1) فتح القدير 2 / 114 - 115 ط صادر.
(2) الخرشي على مختصر خليل 2 / 271 - 272.
فَإِنْ عَيَّنَ شَهْرًا لَزِمَهُ اعْتِكَافُهُ مُتَتَابِعًا لَيْلاً وَنَهَارًا، سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا؛ لأَِنَّ الشَّهْرَ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ الْهِلاَلَيْنِ، تَمَّ أَوْ نَقَصَ.
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ نَهَارِ الشَّهْرِ لَزِمَهُ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْل، لأَِنَّهُ خَصَّ النَّهَارَ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الاِعْتِكَافُ بِاللَّيْل، فَإِنْ فَاتَهُ الشَّهْرُ وَلَمْ يَعْتَكِفْ فِيهِ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ مُتَتَابِعًا وَمُتَفَرِّقًا؛ لأَِنَّ التَّتَابُعَ فِي أَدَائِهِ بِحُكْمِ الْوَقْتِ، فَإِذَا فَاتَ سَقَطَ التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ. وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُتَتَابِعًا لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ مُتَتَابِعًا؛ لأَِنَّ التَّتَابُعَ هُنَا بِحُكْمِ النَّذْرِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ.
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَاعْتَكَفَ شَهْرًا بِالأَْهِلَّةِ أَجْزَأَهُ، تَمَّ الشَّهْرُ أَوْ نَقَصَ؛ لأَِنَّ اسْمَ الشَّهْرِ يَقَعُ عَلَيْهِ، وَإِنِ اعْتَكَفَ شَهْرًا بِالْعَدَدِ لَزِمَهُ ثَلاَثُونَ يَوْمًا؛ لأَِنَّ الشَّهْرَ بِالْعَدَدِ ثَلاَثُونَ يَوْمًا. فَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نَذَرَ وَسَمَّى فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا سَمَّى (1) وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُتَفَرِّقًا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُتَفَرِّقًا وَمُتَتَابِعًا؛ لأَِنَّ الْمُتَتَابِعَ أَفْضَل مِنَ الْمُتَفَرِّقِ، وَإِنْ أَطْلَقَ النَّذْرَ جَازَ مُتَفَرِّقًا وَمُتَتَابِعًا، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ. (2)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ
__________
(1) حديث: " من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى " أورده الزيلعي في نصب الراية (3 / 300 - ط دار المأمون بمصر) . وقال: غريب.
(2) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 198.

الصفحة 130