كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 10)
أَمَانَةٌ نَزَل فِي شَأْنِهَا قَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (1) قِيل: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ الدَّارِيِّ قَبْل إِسْلاَمِهِ، كَانَ سَادِنَ الْكَعْبَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَلَمَّا دَخَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ أَغْلَقَ عُثْمَانُ بَابَ الْكَعْبَةِ وَامْتَنَعَ مِنْ إِعْطَاءِ مِفْتَاحِهَا، زَاعِمًا أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَنَعَهُ، فَلَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَهُ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ، وَفَتَحَ الْبَابَ وَدَخَل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَعْبَةَ. فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلَهُ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمِفْتَاحَ لِتَجْتَمِعَ لَهُ السَّدَانَةُ مَعَ السِّقَايَةِ، فَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى الآْيَةَ.، فَأَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى عُثْمَانَ وَيَعْتَذِرَ إِلَيْهِ، فَقَال لَهُ: أَكْرَهْتَ وَآذَيْتَ ثُمَّ جِئْتَ تَرْفُقُ؟ فَقَال لَهُ: لَقَدْ أَنْزَل اللَّهُ فِي شَأْنِكَ قُرْآنًا وَقَرَأَ عَلَيْهِ الآْيَةَ فَأَسْلَمَ، فَجَاءَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَال: مَا دَامَ هَذَا الْبَيْتُ فَإِنَّ الْمِفْتَاحَ وَالسَّدَانَةَ فِي أَوْلاَدِ عُثْمَانَ.
3 - وَقَدْ جَعَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّدَانَةَ فِي أَوْلاَدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَيْثُ قَال: خُذُوهَا خَالِدَةً تَالِدَةً
__________
(1) سورة النساء / 58.
لاَ يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلاَّ ظَالِمٌ (1) وَالْمُرَادُ مِنَ الآْيَةِ جَمِيعُ الأَْمَانَاتِ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ - وَدِيعَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا - أَنْ يُبَيِّنَ أَمْرَهَا حَتَّى لاَ يُفَاجِئَهُ الْمَوْتُ وَلَمْ يُعَيَّنْ صَاحِبُهَا، فَتَضِيعُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَسْئُولاً عَنْ تَجْهِيلِهَا.
قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يُرَخِّصِ اللَّهُ لِمُعْسِرٍ وَلاَ لِمُوسِرٍ أَنْ يُمْسِكَ الأَْمَانَةَ، أَيْ يَحْبِسَهَا عَنْ صَاحِبِهَا عِنْدَ طَلَبِهَا.
وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدَائِعُ، فَلَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى أَهْلِهَا. (2) وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ ضَمَانٌ مَا لَمْ يَتَعَدَّ. (3)
4 - وَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَ الأَْمَانَةِ تَعْظِيمًا بَلِيغًا وَأَكَّدَهُ تَأْكِيدًا شَدِيدًا فَقَال عَزَّ وَجَل {إِنَّا عَرَضْنَا
__________
(1) حديث: " خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم " أخرجه الطبراني في الكبير (11 / 120 - ط وزارة الأوقاف العراقية) وأورده الهيثمي في المجمع (3 / 285 - ط القدسي) وفيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، ووثقه ابن معين في رواية، وضعفه جماعة.
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عنده ودائع. . . . " أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3 / 22 - ط دار صادر) .
(3) حديث: " ليس على المستودع ضمان ما لم يتعد. . . " أخرجه الدارقطني مرفوعا بلفظ: " ليس على المستعير ضمان على المستودع غير المغل ضمان ". وفي إسناده عمرو وعبيدة وهما ضعيفان وقال الدارقطني: إنما يروى هذا عن شريح غير مرفوع (سنن الدارقطني 3 / 41 ط دار المحاسن، والتلخيص الحبير 3 / 97) .
الصفحة 174