كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 10)
وَأَهْل التَّجْوِيدِ. وَهُوَ يَكُونُ فِي صِفَاتِ الْحُرُوفِ (1) ، وَهَذَا اللَّحْنُ الْخَفِيُّ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ كَتَرْكِ الإِْخْفَاءِ، وَهُوَ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عِقَابٌ كَمَا سَبَقَ، بَل فِيهِ خَوْفُ الْعِتَابِ وَالتَّهْدِيدِ (2) .
وَالثَّانِي: لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ مَهَرَةُ الْقُرَّاءِ كَتَكْرِيرِ الرَّاءَاتِ وَتَغْلِيظِ اللاَّمَاتِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا، وَمُرَاعَاةُ مِثْل هَذَا مُسْتَحَبَّةٌ تَحْسُنُ فِي حَال الأَْدَاءِ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الإِْخْلاَل فَهُوَ مَا يَحْصُل مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ عَنِ الْحَدِّ الْمَنْقُول مِنْ أَوْضَاعِ التِّلاَوَةِ، سَوَاءٌ فِي أَدَاءِ الْحَرْفِ أَوِ الْحَرَكَةِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، وَسَبَبُ الإِْخْلاَل الْقِرَاءَةُ بِالأَْلْحَانِ الْمُطْرِبَةِ الْمُرَجِّعَةِ كَتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْرَاجِ التِّلاَوَةِ عَنْ أَوْضَاعِهَا الصَّحِيحَةِ، وَتَشْبِيهِ الْقُرْآنِ بِالأَْغَانِي الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الطَّرَبُ (3) .
وَاسْتَدَلُّوا لِمَنْعِ ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَابِسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا: إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ، وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَنَشْئًا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ
__________
(1) نهاية القول المفيد ص 22 - 24، والإتقان للسيوطي 1 / 100
(2) أي في حق القادر على ذلك
(3) نهاية القول المفيد ص 24.
يُقَدِّمُونَهُ يُغَنِّيهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْهُمْ فِقْهًا (1) .
قَال الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: وَالْمُرَادُ بِلُحُونِ الْعَرَبِ: الْقِرَاءَةُ بِالطَّبْعِ وَالسَّلِيقَةِ كَمَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نَقْصٍ، وَالْمُرَادُ بِلُحُونِ أَهْل الْفِسْقِ وَالْكَبَائِرِ: الأَْنْغَامُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ عِلْمِ الْمُوسِيقَى، وَالأَْمْرُ فِي الْخَبَرِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، وَالنَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ إِنْ حَصَلَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى صِحَّةِ أَلْفَاظِ الْحُرُوفِ، وَإِلاَّ فَعَلَى التَّحْرِيمِ (2) .
قَال الرَّافِعِيُّ: الْمَكْرُوهُ أَنْ يُفَرِّطَ فِي الْمَدِّ وَفِي إِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، حَتَّى يَتَوَلَّدَ مِنَ الْفَتْحَةِ أَلِفٌ وَمِنَ الضَّمَّةِ وَاوٌ. . . إِلَخْ قَال النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ الإِْفْرَاطَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ حَرَامٌ يَفْسُقُ بِهِ الْقَارِئُ وَيَأْثَمُ بِهِ الْمُسْتَمِعُ، لأَِنَّهُ عَدَل بِهِ عَنْ مَنْهَجِهِ الْقَوِيمِ، وَهَذَا مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالْكَرَاهَةِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ عُلَمَاءُ التَّجْوِيدِ نَمَاذِجَ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْهَا مَا يُسَمَّى بِالتَّرْقِيصِ، وَالتَّحْزِينِ، وَالتَّرْعِيدِ، وَالتَّحْرِيفِ، وَالْقِرَاءَةِ بِاللِّينِ وَالرَّخَاوَةِ
__________
(1) حديث عابس أخرجه أحمد من طريق شريك عن أبي اليقظان ابن عمير. والحديث صحيح بشواهده. (مسند أحمد بن حنبل 3 / 494، و 6 / 22 ط الميمنية، والمستدرك 3 / 443 نشر دار الكتاب العربي، وزاد المعاد بتحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط 1 / 491 نشر مؤسسة الرسالة) .
(2) شرح الجزرية للأنصاري ص 21.
الصفحة 182