كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 10)

وَلاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مَعَ وُجُودِ مَحَارِيبِ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ مَحَارِيبُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تَكَرَّرَتِ الصَّلَوَاتُ إِلَيْهَا.
كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ إِذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ مِنْ أَهْل الْمَكَانِ الْعَالِمِ بِهَا، بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَقْبُول الشَّهَادَةِ، فَالذِّمِّيُّ وَالْجَاهِل وَالْفَاسِقُ وَالصَّبِيُّ لاَ يُعْتَدُّ بِإِخْبَارِهِ فِي هَذَا الْمَجَال.
فَإِذَا عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنْ إِصَابَةِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى جِهَتِهَا اسْتِدْلاَلاً بِالْمَحَارِيبِ الْمَنْصُوبَةِ الْقَدِيمَةِ، أَوْ سُؤَال مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِالْقِبْلَةِ، مِمَّنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ مِنْ أَهْل الْمَكَانِ: فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ، فَعَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ. وَالْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ هُوَ: الْعَالِمُ بِأَدِلَّتِهَا وَهِيَ: النُّجُومُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَالرِّيَاحُ، وَالْجِبَال، وَالأَْنْهَارُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِل وَالْمَعَالِمِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ. فَإِنَّ كُل مَنْ عَلِمَ بِأَدِلَّةِ شَيْءٍ كَانَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ، وَإِنْ جَهِل غَيْرَهُ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَدِلَّتِهَا، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَهُوَ مُقَلِّدٌ وَإِنْ عَلِمَ غَيْرَهَا (1) .
فَالْمُصَلِّي الْقَادِرُ عَلَى الاِجْتِهَادِ إِنْ صَلَّى بِغَيْرِ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 290 ط دار إحياء التراث العربي، والمبسوط 10 / 190 - 192 ط دار المعرفة، والحطاب 1 / 509، دار الفكر، والدسوقي 1 / 226 ط دار الفكر، ونهاية المحتاج 1 / 440، 441، 442، 443 ط مصطفى البابي الحلبي، والمغني 1 / 440، 441 ط، مكتبة الرياض الحديثة.
اجْتِهَادٍ، فَالْمُتَبَادَرُ مِنْ أَقْوَال جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ صَلاَتُهُ، وَإِنْ وَقَعَتْ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَدَّاهُ الاِجْتِهَادُ إِلَى جِهَةٍ فَصَلَّى إِلَى غَيْرِهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ، فَصَلاَتُهُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، كَمَا لَوْ صَلَّى ظَانًّا أَنَّهُ مُحْدِثٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ (1) .
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (اسْتِقْبَالٌ) .
12 - مَنْ عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ بِالاِسْتِدْلاَل، بِأَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الأَْدِلَّةُ لِحَبْسٍ أَوْ غَيْمٍ، أَوِ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ أَوْ تَعَارَضَتْ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُخْبِرُهُ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ التَّحَرِّيَ وَتَصِحُّ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَالإِْمْكَانِ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إِلاَّ التَّحَرِّي.
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُصَلِّي كَيْفَ كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ أَمْ لاَ، وَيَقْضِي لِنُدْرَةِ حُصُول ذَلِكَ (2) .
__________
(1) المراجع السابقة في المذاهب الأربعة.
(2) حاشية ابن عابدين 1 / 289، وبدائع الصنائع 1 / 118، وفتح القدير 234، 237 ط دار إحياء التراث العربي، والمغني 10 / 444 ط مكتبة الرياض الحديثة، وحاشية الدسوقي 1 / 227، ونهاية المحتاج 1 / 443 ط مصطفى البابي الحلبي.

الصفحة 191