كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 10)

دَفْعُهُ وَإِبْطَالُهُ، وَالْغَمْطُ وَالْغَمْصُ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ: الاِحْتِقَارُ (1) .
قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ} قِيل مَعْنَاهُ: مَنْ لَقَّبَ أَخَاهُ أَوْ سَخِرَ بِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ. (2)
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: السُّخْرِيَةُ: الاِسْتِحْقَارُ وَالاِسْتِهَانَةُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ يَوْمَ يُضْحَكُ مِنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْمُحَاكَاةِ بِالْفِعْل أَوِ الْقَوْل أَوِ الإِْشَارَةِ أَوِ الإِْيمَاءِ، أَوِ الضَّحِكِ عَلَى كَلاَمِهِ إِذَا تَخَبَّطَ فِيهِ أَوْ غَلِطَ، أَوْ عَلَى صَنْعَتِهِ، أَوْ قَبِيحِ صُورَتِهِ (3) .
فَمَنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنَ التَّحْقِيرِ مِمَّا هُوَ مَمْنُوعٌ كَانَ قَدِ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا يُعَزَّرُ عَلَيْهِ شَرْعًا تَأْدِيبًا لَهُ.
وَهَذَا التَّعْزِيرُ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الإِْمَامِ، وَفْقَ مَا يَرَاهُ فِي حُدُودِ الْمَصْلَحَةِ وَطِبْقًا لِلشَّرْعِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِيرٌ) ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الزَّجْرُ، وَأَحْوَال النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، فَلِكُلٍّ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْهُ. (4)
وَهَذَا إِنْ قَصَدَ بِهَذِهِ الأُْمُورِ التَّحْقِيرَ، أَمَّا إِنْ
__________
(1) الأذكار للنووي 311 - 312.
(2) القرطبي 16 / 328.
(3) الزواجر عن اقتراف الكبائر 2 / 22 دار المعرفة.
(4) ابن عابدين 3 / 177 - 179، والشرح الكبير 4 / 327 - 330، والشرح الصغير 4 / 462، 466، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 2 / 273 - 275، وكشاف القناع عن متن الإقناع 6 / 121 - 124 م النصر الحديثة.
قَصَدَ التَّعْلِيمَ أَوِ التَّنْبِيهَ عَلَى الْخَطَأِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ - وَلَمْ يَقْصِدْ تَحْقِيرًا - فَلاَ بَأْسَ بِهِ، فَيُعْرَفُ قَصْدُهُ مِنْ قَرَائِنِ الأَْحْوَال.
3 - هَذَا وَقَدْ يَصِل التَّحْقِيرُ الْمُحَرَّمُ إِلَى أَنْ يَكُونَ رِدَّةً، وَذَاكَ إِذَا حَقَّرَ شَيْئًا مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، كَتَحْقِيرِ الصَّلاَةِ وَالأَْذَانِ وَالْمَسْجِدِ وَالْمُصْحَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمُنَافِقِينَ {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ، (1) وَقَال تَعَالَى فِيهِمْ أَيْضًا: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} . (2) وَنُقِل فِي فَتْحِ الْعَلِيِّ لِمَالِكٍ: أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَزْدَرِي الصَّلاَةَ، وَرُبَّمَا ازْدَرَى الْمُصَلِّينَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ مَلأٌَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، مِنْهُمْ مَنْ زَكَّى وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُزَكِّ، فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الاِزْدِرَاءِ بِالْمُصَلِّينَ لِقِلَّةِ اعْتِقَادِهِ فِيهِمْ فَهُوَ مِنْ سِبَابِ الْمُسْلِمِ، فَيَلْزَمُهُ الأَْدَبُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ. وَمَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى ازْدِرَاءِ الْعِبَادَةِ فَالأَْصْوَبُ أَنَّهُ رِدَّةٌ، لإِِظْهَارِهِ إِيَّاهُ وَشُهْرَتِهِ بِهِ، لاَ زَنْدَقَةٌ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ (3) .
4 - وَقَدْ يَكُونُ التَّحْقِيرُ وَاجِبًا: كَمَا هُوَ الْحَال
__________
(1) سورة التوبة / 65، 66.
(2) سورة المائدة / 58.
(3) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك للعلامة الشيخ محمد عليش 2 / 260 - 263.

الصفحة 230