كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 10)
الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْل وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} . (1)
فَالإِْصْلاَحُ وَالتَّحْكِيمُ يُفَضُّ بِهِمَا النِّزَاعُ، غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ تَوْلِيَةٍ مِنَ الْقَاضِي أَوِ الْخَصْمَيْنِ، وَالإِْصْلاَحُ يَكُونُ الاِخْتِيَارُ فِيهِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْ مِنْ مُتَبَرِّعٍ بِهِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
التَّحْكِيمُ مَشْرُوعٌ.، وَقَدْ دَل عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ (2) .
4 - أَمَّا الْكِتَابُ الْكَرِيمُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} . (3)
قَال الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الآْيَةَ دَلِيل إِثْبَاتِ التَّحْكِيمِ. (4)
5 - وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ، فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَضِيَ بِتَحْكِيمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي
__________
(1) سورة الحجرات / 9.
(2) مجمع الأنهر 2 / 173، وشرح العناية 5 / 498.
(3) سورة النساء / 35.
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5 / 179 ط دار الكتب المصرية.
أَمْرِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، حِينَ جَنَحُوا إِلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِالنُّزُول عَلَى حُكْمِهِ. (1)
وَإِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَضِيَ بِتَحْكِيمِ الأَْعْوَرِ بْنِ بَشَامَةَ فِي أَمْرِ بَنِي الْعَنْبَرِ، حِينَ انْتَهَبُوا أَمْوَال الزَّكَاةِ. (2)
وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّ أَبَا شُرَيْحٍ هَانِئَ بْنَ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْمِهِ، سَمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ.، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقَال: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ.، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا.، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَال: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ. قَال: فَمَا أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ. قَال: أَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ. وَدَعَا لَهُ وَلِوَلَدِهِ. (3)
6 - أَمَّا الإِْجْمَاعُ، فَقَدْ كَانَ بَيْنَ عُمَرَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي نَخْلٍ، فَحَكَّمَا
__________
(1) تحكيم سعد بن معاذ في أمر اليهود. أخرجه البخاري (الفتح 6 / 165 - ط السلفية) .
(2) حديث: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي بتحكيم الأعور بن بشامة " أخرجه ابن شاهين في الصحابة، وفي إسناده جهالة. (الإصابة لابن حجر 1 / 55 - نشر الرسالة) .
(3) حديث: " إن الله هو الحكم " أخرجه أبو داود (5 / 240 - ط عزت عبيد دعاس) والنسائي (8 / 226 - ط المكتبة التجارية) وجامع الأصول (1 / 373) وإسناده حسن.
الصفحة 235