كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 10)
ذَلِكَ أَنَّ اللِّعَانَ يَقُومُ مَقَامَ الْحَدِّ. (1)
وَأَمَّا فِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ آنِفًا، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ جَائِزٌ وَنَافِذٌ. (2) وَلَيْسَ لِلْمُحَكَّمِ الْحَبْسُ، إِلاَّ مَا نُقِل عَنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ جَوَازِهِ. (3)
19 - وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا هِيَ: الرُّشْدُ، وَضِدُّهُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْحَبْسُ (الْوَقْفُ) ، وَأَمْرُ الْغَائِبِ، وَالنَّسَبُ، وَالْوَلاَءُ، وَالْحَدُّ، وَالْقِصَاصُ، وَمَال الْيَتِيمِ، وَالطَّلاَقُ، وَالْعِتْقُ، وَاللِّعَانُ.؛ لأَِنَّ هَذِهِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهَا الْقَضَاءُ. (4)
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ إِمَّا حُقُوقٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْحَدِّ وَالْقَتْل وَالطَّلاَقِ، أَوْ حُقُوقٌ لِغَيْرِ الْمُتَحَاكِمَيْنِ، كَالنَّسَبِ، وَاللِّعَانِ.
وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ عَرَفَةَ حَدًّا لِمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ، فَقَال: ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَصِحُّ لأَِحَدِهِمَا تَرْكُ حَقِّهِ فِيهِ.
__________
(1) حاشية الدرر 2 / 336، وحاشية الطحطاوي 3 / 208.
(2) الدر المختار 5 / 430، والفتاوى الهندية 3 / 268.
(3) البحر الرائق 6 / 308، 7 / 28، والدر المختار 5 / 432، وصدر الشريعة 2 / 70.
(4) حاشية الدسوقي 4 / 136، وتبصرة الحكام 1 / 43 - 44.
وَقَال اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا يَصِحُّ فِي الأَْمْوَال، وَمَا فِي مَعْنَاهَا. (1)
20 - وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّ التَّحْكِيمَ عِنْدَهُمْ لاَ يَجُوزُ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ لَيْسَ فِيهَا طَالِبٌ مُعَيَّنٌ، وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ رَجُلاً فِي غَيْرِ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ. وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ.
وَقِيل: بِشَرْطِ عَدَمِ وُجُودِ قَاضٍ بِالْبَلَدِ.
وَقِيل: يَخْتَصُّ التَّحْكِيمُ بِالأَْمْوَال دُونَ الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا (2) .
21 - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ.
فَفِي ظَاهِرِ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّ التَّحْكِيمَ يَجُوزُ فِي كُل مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْقَاضِي مِنْ خُصُومَاتٍ، كَمَا قَال أَبُو الْخَطَّابِ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَال وَالْقِصَاصُ وَالْحَدُّ وَالنِّكَاحُ وَاللِّعَانُ وَغَيْرُهَا، حَتَّى مَعَ وُجُودِ قَاضٍ، لأَِنَّهُ كَالْقَاضِي وَلاَ فَرْقَ. وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بِجَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي الأَْمْوَال خَاصَّةً، وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالْقِصَاصُ وَالْحَدُّ فَلاَ يَجُوزُ فِيهَا التَّحْكِيمُ، لأَِنَّهَا
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 42، والشرح الكبير 4 / 136.
(2) روضة الطالبين 11 / 121، ونهاية المحتاج 8 / 230، ومغني المحتاج 4 / 378، 379.
الصفحة 240