كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 11)
تَسْبِيل الثَّمَرَةِ: أَنْ يَجْعَل الْوَاقِفُ لَهَا سَبِيلاً: أَيْ طَرِيقًا لِمَصْرِفِهَا. وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: تَسْبِيل الْمَنْفَعَةِ: أَيْ إِطْلاَقُ فَوَائِدِ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ مِنْ غَلَّةٍ وَثَمَرَةٍ وَغَيْرِهَا لِلْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَيُطْلَقُ التَّسْبِيل أَيْضًا - اصْطِلاَحًا - عَلَى الْوَقْفِ، يُقَال: سَبَّلْتَ الدَّارَ أَيْ وَقَفْتَهَا. (1)
فَالتَّسْبِيل مِنْ أَلْفَاظِ الْوَقْفِ الصَّرِيحَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، بِأَنْ يَقُول الْوَاقِفُ: سَبَّلْتُ دَارِي لِسُكْنَى فُقَرَاءِ بَلْدَةِ كَذَا وَسَاكِنِيهَا. فَلَفْظُ التَّسْبِيل صَرِيحٌ فِي الْوَقْفِ؛ لأَِنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ وَمَعْرُوفٌ فِيهِ، وَثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَسَبَّلْتَ ثَمَرَتَهَا (2) فَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْوَقْفِ كَلَفْظِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلاَقِ. وَإِضَافَةُ التَّحْبِيسِ إِلَى الأَْصْل وَالتَّسْبِيل إِلَى الثَّمَرَةِ لاَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مُحَبَّسَةٌ أَيْضًا عَلَى مَا شَرَطَ صَرْفَهَا إِلَيْهِ. (3)
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لَوْ قَال الْوَاقِفُ: أَرْضِي
__________
(1) النظم المستعذب في شرح غريب المهذب بذيل صحائف المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 447 دار المعرفة، وكشاف القناع 4 / 241 م النصر الحديثة.
(2) الحديث تقم تخريجه (ف 1) .
(3) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 449، وكشاف القناع 4 / 241 م النصر الحديثة، ومنار السبيل في شرح الدليل 2 / 4 المكتب الإسلامي.
هَذِهِ لِلسَّبِيل إِنْ تَعَارَفُوا وَقْفًا مُؤَبَّدًا، كَانَ كَذَلِكَ. وَإِلاَّ سُئِل فَإِنْ قَال: أَرَدْتُ الْوَقْفَ صَارَ وَقْفًا؛ لأَِنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِل ذَلِكَ، أَوْ قَال: أَرَدْتُ مَعْنَى الصَّدَقَةِ فَهُوَ نَذْرٌ، فَيَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَانَتْ مِيرَاثًا. (1)
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ أَنَّ جَعْل الشَّيْءِ فِي السَّبِيل يَقْتَضِي التَّصَدُّقَ بِعَيْنِهِ مَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى مَعْنَى وَقْفِ الْعَيْنِ وَالتَّصَدُّقِ بِثَمَرَتِهَا أَوْ مَنْفَعَتِهَا. (2)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
2 - التَّسْبِيل قُرْبَةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا بِالاِتِّفَاقِ؛ لِحَدِيثِ إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ (3) وقَوْله تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} (4) وَفَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قَدْ مَلَكَ مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ فَقَال: قَدْ أَصَبْتُ مَالاً لَمْ أُصِبْ مِثْلَهُ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى،
__________
(1) البحر الرائق 5 / 205، 206، والفتاوى الهندية 2 / 357 - 359.
(2) الدسوقي 4 / 84، 85، والحطاب 6 / 28.
(3) حديث: " إذا مات الإنسان انقطع عمله. . . " أخرجه مسلم 3 / 1255 ط عيسى الحلبي من حديث أبي هريرة.
(4) سورة الحج / 77.
الصفحة 293