كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ - كَمَا فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ - عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا فِيهِ تَصْوِيرٌ، وَأَنْ يُصَلِّيَ إِلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ. (1)
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ إِِلَى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ صَغِيرَةً لاَ تَبْدُو لِلنَّاظِرِ إِلَيْهَا، وَلاَ تُكْرَهُ إِِلَى غَيْرِ مَنْصُوبَةٍ، وَلاَ يُكْرَهُ سُجُودٌ وَلَوْ عَلَى صُورَةٍ، وَلاَ صُورَةَ خَلْفَهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ فَوْقَ رَأْسِهِ فِي السَّقْفِ أَوْ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ. وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى الصُّورَةِ فَيُكْرَهُ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ، وَقَال فِي الْفُرُوعِ: لاَ يُكْرَهُ، لأَِنَّهُ لاَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى إِلَيْهَا. وَيُكْرَهُ حَمْلُهُ فَصًّا فِيهِ صُورَةٌ أَوْ حَمْلُهُ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ كَدِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ فِيهِ صُورَةٌ. (2)
وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا تَزْوِيقَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَيِّ جُزْءٍ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا.

الصُّوَرُ فِي الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَأَمَاكِنِ الْعِبَادَةِ:
67 - يَنْبَغِي تَنْزِيهُ أَمَاكِنِ الْعِبَادَةِ عَنْ وُجُودِ الصُّوَرِ فِيهَا، لِئَلاَّ يَئُول الأَْمْرُ إِِلَى عِبَادَتِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَصْل عِبَادَةِ قَوْمِ نُوحٍ لأَِصْنَامِهِمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا رِجَالاً صَالِحِينَ، فَلَمَّا
__________
(1) أسنى المطالب 1 / 179.
(2) كشاف القناع 1 / 370، وانظر الإنصاف 1 / 474.
مَاتُوا صَوَّرُوهُمْ ثُمَّ عَبَدُوهُمْ. وَأَيْضًا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُول بِكَرَاهَةِ الصَّلاَةِ مَعَ وُجُودِ الصُّورَةِ، وَلَوْ كَانَتْ إِِلَى جَانِبِ الْمُصَلِّي أَوْ خَلْفَهُ أَوْ فِي مَكَانِ سُجُودِهِ. وَالْمَسَاجِدُ تُجَنَّبُ الْمَكْرُوهَاتِ كَمَا تُجَنَّبُ الْمُحَرَّمَاتِ.
68 - وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَل الْكَعْبَةَ فَوَجَدَ فِيهَا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَصُورَةَ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَقَال: أَمَّا هُمْ فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ فَمَا لَهُ يَسْتَقْسِمُ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُل حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِأَيْدِيهِمَا الأَْزْلاَمُ. فَقَال: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالأَْزْلاَمِ قَطُّ. (1)
وَوَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ بِالصُّوَرِ كُلِّهَا فَمُحِيَتْ، فَلَمْ يَدْخُل الْكَعْبَةَ وَفِيهَا مِنَ الصُّوَرِ شَيْءٌ. (2)
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اشْتَكَى ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَال لَهَا مَارِيَةَ، وَكَانَتْ
__________
(1) حديث ابن عباس في دخوله الكعبة. أخرج الروايتين البخاري (الفتح 6 / 387 - ط السلفية) .
(2) حديث: " أمر بالصور. . . " أورده الأزرقي في أخبار مكة (11 / 113) نشر مكتبة خياط من طرق منطقة يقوي بعضها بعضا.

الصفحة 127