كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)
إِِذَا كَانَ الْخَاتِنُ أَوِ الطَّبِيبُ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ، وَلَمْ يُخْطِئْ فِي فِعْلِهِ. فَإِِذَا كَانَ أَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ - وَالْحَال أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ - فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
فَإِِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ عُوقِبَ وَفِي كَوْنِ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَوْ فِي مَالِهِ قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: لاِبْنِ الْقَاسِمِ.
وَالثَّانِي: لِمَالِكٍ. وَهُوَ الرَّاجِحُ لأَِنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ، وَالْعَاقِلَةُ لاَ تَحْمِل الْعَمْدَ (1) .
وَفِي الْقُنْيَةِ: سُئِل مُحَمَّدُ نَجْمُ الدِّينِ عَنْ صَبِيَّةٍ سَقَطَتْ مِنْ سَطْحٍ، فَانْفَتَحَ رَأْسُهَا، فَقَال كَثِيرٌ مِنَ الْجَرَّاحِينَ: إِنْ شَقَقْتُمْ رَأْسَهَا تَمُوتُ. وَقَال وَاحِدٌ مِنْهُمْ: إِنْ لَمْ تَشُقُّوهُ الْيَوْمَ تَمُوتُ، وَأَنَا أَشُقُّهُ وَأُبْرِئُهَا، فَشَقَّهُ فَمَاتَتْ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. هَل يَضْمَنُ؟ فَتَأَمَّل مَلِيًّا ثُمَّ قَال: لاَ، إِِذَا كَانَ الشَّقُّ بِإِِذْنٍ، وَكَانَ الشَّقُّ مُعْتَادًا، وَلَمْ يَكُنْ فَاحِشًا خَارِجَ الرَّسْمِ (أَيِ الْعَادَةِ) . قِيل لَهُ: فَلَوْ قَال: إِنْ مَاتَتْ فَأَنَا ضَامِنٌ، هَل يَضْمَنُ؟ فَتَأَمَّل مَلِيًّا، ثُمَّ قَال: لاَ. فَلَمْ يُعْتَبَرْ شَرْطُ الضَّمَانِ؛ لأَِنَّ شَرْطَهُ عَلَى الأَْمِينِ بَاطِلٌ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى (2) .
وَفِي مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: مَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى عَبْدٍ يَحْجُمُهُ، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يُبَزِّغُهَا، فَفَعَل ذَلِكَ فَعَطِبَا بِفِعْلِهِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ أَصْل الْعَمَل
__________
(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 28.
(2) ابن عابدين 5 / 364.
كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ، فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ لاَ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ إِلاَّ إِِذَا تَعَدَّى، فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ.
وَكَذَلِكَ إِِذَا كَانَ فِي يَدِهِ أَكِلَةٌ، فَاسْتَأْجَرَ رَجُلاً لِيَقْطَعَ يَدَهُ فَمَاتَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ (1) .
وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِيَقْلَعَ ضِرْسًا لِمَرِيضٍ، فَأَخْطَأَ، فَقَلَعَ غَيْرَ مَا أُمِرَ بِقَلْعِهِ ضَمِنَهُ؛ لأَِنَّهُ مِنْ جِنَايَتِهِ (2) .
وَإِِنْ أَخْطَأَ الطَّبِيبُ، بِأَنْ سَقَى الْمَرِيضَ دَوَاءً لاَ يُوَافِقُ مَرَضَهُ، أَوْ زَلَّتْ يَدُ الْخَاتِنِ أَوِ الْقَاطِعِ فَتَجَاوَزَ فِي الْقَطْعِ، فَإِِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يَغُرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَذَلِكَ خَطَأٌ (أَيْ تَتَحَمَّلُهُ عَاقِلَتُهُ) إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ فَفِي مَالِهِ. وَإِِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ، أَوْ غُرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَيُعَاقَبُ (3) . وَمَنْ أَمَرَ خَتَّانًا لِيَخْتِنَ صَبِيًّا، فَفَعَل الْخَتَّانُ ذَلِكَ فَقَطَعَ حَشَفَتَهُ، وَمَاتَ الصَّبِيُّ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَى عَاقِلَةِ الْخَتَّانِ نِصْفُ دِيَةٍ؛ لأَِنَّ الْمَوْتَ حَصَل بِفِعْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَأْذُونٌ فِيهِ، وَهُوَ قَطْعُ الْقُلْفَةِ.
وَالآْخَرُ: غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَهُوَ قَطْعُ الْحَشَفَةِ، فَيَجِبُ نِصْفُ الضَّمَانِ.
أَمَّا إِِذَا بَرِئَ، جُعِل قَطْعُ الْجِلْدَةِ - وَهُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ - كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَقَطْعُ الْحَشَفَةِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَوَجَبَ ضَمَانُ الْحَشَفَةِ كَامِلاً، وَهُوَ الدِّيَةُ (4) .
__________
(1) مختصر الطحاوي 129.
(2) المغني لابن قدامة 5 / 543 م الرياض الحديثة، ومنهاج الطالبين 3 / 70.
(3) جواهر الإكليل 2 / 191.
(4) ابن عابدين 5 / 400.
الصفحة 140