كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)
وَالْعَارِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ، وَإِِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِِنْ كَانَ مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، فَلِكُل عَقْدٍ حُكْمُهُ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ أَوْ عَدَمِ جَوَازِهِ. فَفِي الْوَصِيَّةِ مَثَلاً: يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ الرُّجُوعُ فِيهَا مَا دَامَ الْمُوصِي حَيًّا. وَفِي الْعَارِيَّةِ وَالْقَرْضِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِطَلَبِ رَدِّ الشَّيْءِ الْمُسْتَعَارِ وَاسْتِرْدَادِ بَدَل الْقَرْضِ فِي الْحَال بَعْدَ الْقَبْضِ. وَهَذَا عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، بَل قَال الْجُمْهُورُ: إِنَّ الْمُقْرِضَ إِِذَا أَجَّل الْقَرْضَ لاَ يَلْزَمُهُ التَّأْجِيل؛ لأَِنَّهُ لَوْ لَزِمَ فِيهِ الأَْجَل لَمْ يَبْقَ تَبَرُّعًا.
وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ قَبْل الْقَبْضِ، فَإِِذَا تَمَّ الْقَبْضُ فَلاَ رُجُوعَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ فِيمَا وَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ إِنْ كَانَتْ لأَِجْنَبِيٍّ (1) .
وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهِ. وَفِي (تَبَرُّعٌ) .
أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ كَالصَّدَقَةِ وَالإِِْنْفَاقِ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ، فَإِِنْ كَانَ قَدْ مَضَى فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ، مَا دَامَ ذَلِكَ قَدْ تَمَّ بِنِيَّةِ التَّبَرُّعِ.
__________
(1) البدائع 5 / 234 و 6 / 216 و 7 / 378، 396، والهداية 3 / 222 - 231 و 4 / 235، ومنح الجليل 3 / 50، وجواهر الإكليل 2 / 212، ومغني المحتاج 3 / 71، والمهذب 1 / 310، 370، 454، 468، ومنتهى الإرادات 2 / 227، 520، 525، والمغني 4 / 349 و 5 / 229.
يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ رُجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الثَّوَابُ لاَ الْعِوَضُ. وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُتَصَدِّقِ الرُّجُوعُ فِي صَدَقَتِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لأَِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال فِي حَدِيثِهِ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا. وَمِثْل ذَلِكَ الإِِْنْفَاقُ إِِذَا كَانَ بِقَصْدِ التَّبَرُّعِ فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ.
يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: إِِذَا أَنْفَقَ الْوَصِيُّ مِنْ مَال نَفْسِهِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ غَائِبٌ، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الإِِْنْفَاقِ اسْتِحْسَانًا، إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ قَرْضٌ، أَوْ أَنَّهُ يُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِ. وَيَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمَقَاصِدُ تُغَيِّرُ أَحْكَامَ التَّصَرُّفَاتِ، فَالنِّيَّةُ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَضَى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا، أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ نَفَقَةً وَاجِبَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ - يَنْوِي التَّبَرُّعَ وَالْهِبَةَ - لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ بِالْبَدَل، وَإِِنْ لَمْ يَنْوِ فَلَهُ الرُّجُوعُ. عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاً وَخِلاَفًا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً: أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُجِيزُونَ لِلأَْبِ وَلِسَائِرِ الأُْصُول الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا عَلَى الْوَلَدِ، أَمَّا الْوَاجِبَةُ فَلاَ رُجُوعَ فِيهَا. وَلاَ يُجِيزُونَ لِلأَْبِ الرُّجُوعَ فِي الإِِْبْرَاءِ لِوَلَدِهِ عَنْ دَيْنِهِ. بَيْنَمَا يُجِيزُ الْحَنَابِلَةُ رُجُوعَ الأَْبِ فِيمَا أَبْرَأَ ابْنَهُ مِنْهُ مِنَ الدُّيُونِ (1) .
__________
(1) ابن عابدين 4 / 422، 5 / 458، والمغني 5 / 684، وإعلام الموقعين 3 / 98، وأسنى المطالب 2 / 483، والاختبارات الفقهية ص 187.
الصفحة 161