كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)
تَذَكُّرُ الْوَقَائِعِ الْمَاضِيَةِ لِلسَّلَفِ الْكِرَامِ، وَفِي طَيِّ تَذَكُّرِهَا مَصَالِحُ دِينِيَّةٌ، إِذْ يَتَبَيَّنُ فِي أَثْنَاءِ كَثِيرٍ مِنْهَا مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنِ امْتِثَال أَمْرِ اللَّهِ، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ، وَبَذْل الأَْنْفُسِ فِي ذَلِكَ. وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ لَنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَْعْمَال الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْحَجِّ، وَيُقَال بِأَنَّهَا (تَعَبُّدٌ) لَيْسَتْ كَمَا قِيل. أَلاَ تَرَى أَنَّا إِِذَا فَعَلْنَاهَا وَتَذَكَّرْنَا أَسْبَابَهَا حَصَل لَنَا مِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمُ الأَْوَّلِينَ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنِ احْتِمَال الْمَشَاقِّ فِي امْتِثَال أَمْرِ اللَّهِ، فَكَانَ هَذَا التَّذَكُّرُ بَاعِثًا لَنَا عَلَى مِثْل ذَلِكَ، وَمُقَرِّرًا فِي أَنْفُسِنَا تَعْظِيمَ الأَْوَّلِينَ، وَذَلِكَ مَعْنًى مَعْقُولٌ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اقْتِدَاءٌ بِفِعْل هَاجَرَ، وَأَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ اقْتِدَاءٌ بِفِعْل إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذْ رَمَى إِبْلِيسَ بِالْجِمَارِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (1) .
وَابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ، سَيْرًا عَلَى خُطَى شَيْخِهِ شَيْخِ الإِِْسْلاَمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ رَأَى كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ، وَرَدَّ كُل مَا قِيل فِيهِ: إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، كَفَرْضِ الصَّاعِ فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ الْمَرْدُودَةِ عَلَى بَائِعِهَا، وَمَا قِيل مِنْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَاتِ، كَأَمْرِهَا بِالْغُسْل مِنْ بَوْل الْجَارِيَةِ وَبِالنَّضْحِ مِنْ بَوْل الصَّبِيِّ، وَسَوَّتْ بَيْنَ الْمُفْتَرِقَاتِ، كَتَسْوِيَتِهَا بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ. فَعَلَّل كُل
__________
(1) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد 2 / 75.
مَا قِيل فِيهِ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِيهِ، وَأَنَّ عِلَّتَهُ مَعْقُولَةٌ، وَيُوَافِقُ الْقِيَاسَ وَلاَ يُخَالِفُهُ، وَأَطَال فِي ذَلِكَ (1) .
مَا تَكُونُ فِيهِ التَّعَبُّدِيَّاتُ، وَأَمْثِلَةٌ مِنْهَا:
15 - يَذْكُرُ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ أَنَّ التَّعَبُّدِيَّاتِ أَكْثَرُ مَا تَكُونُ فِي أُصُول الْعِبَادَاتِ، كَاشْتِرَاعِ أَصْل الصَّلاَةِ أَوِ الصَّوْمِ أَوِ الاِعْتِكَافِ. وَفِي نَصْبِ أَسْبَابِهَا، كَزَوَال الشَّمْسِ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ، وَغُرُوبِهَا لِصَلاَةِ الْمَغْرِبِ. وَفِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ. وَفِي التَّقْدِيرَاتِ الْعَدَدِيَّةِ بِوَجْهٍ عَامٍّ، كَتَقْدِيرِ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَتَقْدِيرِ عَدَدِ الْجَلَدَاتِ فِي الْحُدُودِ، وَتَقْدِيرِ أَعْدَادِ الشُّهُودِ.
وَذَكَرَ الشَّاطِبِيُّ مِنْ أَمْثِلَةِ وُقُوعِهَا فِي الْعَادَاتِ: طَلَبُ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ، وَتَخْصِيصُ الذَّبْحِ بِمَحَلٍّ مَخْصُوصٍ، وَالْفُرُوضُ الْمُقَدَّرَةُ فِي الْمَوَارِيثِ، وَعَدَدُ الأَْشْهُرِ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ (2) .
وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ حَدِيثُ: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُل بِفَضْل طَهُورِ الْمَرْأَةِ» (3) .
__________
(1) إعلام الموقعين: 2 / 3 - 50، 74.
(2) الموافقات للشاطبي 2 / 307، 308، وشرح جمع الجوامع 2 / 206.
(3) حديث: " نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ بفضل. . . " أخرجه أحمد (5 / 66 ط. المكتب الإسلامي) . وأبو داود (1 / 63 ط عبيد الدعاس) . وقال ابن حجر: إسناده صحيح. (سبل السلام 1 / 49 ط دار الكتاب العربي)
الصفحة 209