كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)

الْمُسْتَبِينَةِ، كَالْكِتَابَةِ عَلَى الصَّحِيفَةِ وَالْحَائِطِ وَالأَْرْضِ، عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ فَهْمُهُ وَقِرَاءَتُهُ. وَأَمَّا الْكِتَابَةُ غَيْرُ الْمُسْتَبِينَةِ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَشَيْءٍ لاَ يُمْكِنُ فَهْمُهُ وَقِرَاءَتُهُ، فَلاَ يَقَعُ بِهَا الطَّلاَقُ، لأَِنَّ هَذِهِ الْكِتَابَةَ بِمَنْزِلَةِ الْهَمْسِ بِلِسَانِهِ بِمَا لاَ يُسْمَعُ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ الْكِتَابَةَ بِالطَّلاَقِ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ، فَتَفْتَقِرُ إِِلَى نِيَّةٍ مِنَ الْكَاتِبِ، وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ النِّيَّةَ عَلَى الْكِتَابَةِ الْمُسْتَبِينَةِ غَيْرِ الْمَرْسُومَةِ (أَيْ أَنْ لاَ يَكُونَ الْكِتَابُ مُصَوَّرًا وَمُعَنْوَنًا) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَتَبَ طَلاَقَهَا بِالصَّرِيحِ وَقَعَ وَإِِنْ لَمْ يَنْوِهِ. وَإِِنْ كَتَبَهُ بِالْكِنَايَةِ فَهُوَ كِنَايَةٌ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَتَبَهُ عَازِمًا عَلَى الطَّلاَقِ بِكِتَابَتِهِ فَيَقَعُ بِمُجَرَّدِ فَرَاغِهِ مِنْ كِتَابَةِ: هِيَ طَالِقٌ. وَمِثْلُهُ: لَوْ كَتَبَ: إِِذَا جَاءَكَ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَعِنْدَهُمْ قَوْلٌ ثَانٍ: بِأَنْ يُوقَفَ الطَّلاَقُ عَلَى وُصُول الْكِتَابِ، وَقَوَّاهُ الدُّسُوقِيُّ لِتَضَمُّنِ " إِِذَا " مَعْنَى الشَّرْطِ.
وَإِِنْ كَتَبَهُ مُسْتَشِيرًا أَوْ مُتَرَدِّدًا فَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ، إِلاَّ إِِذَا أَخْرَجَهُ عَازِمًا، أَوْ أَخْرَجَهُ وَلاَ نِيَّةَ لَهُ فَيَقَعُ الطَّلاَقُ بِمُجَرَّدِ إِخْرَاجِهِ. وَأَمَّا إِِذَا أَخْرَجَهُ - وَهُوَ كَذَلِكَ - مُتَرَدِّدًا أَوْ مُسْتَشِيرًا، أَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ، فَإِِمَّا أَنْ يَصِل إِلَيْهَا، وَإِِمَّا أَنْ لاَ يَصِل إِلَيْهَا، فَإِِنْ وَصَل إِلَيْهَا حَنِثَ وَإِِلاَّ فَلاَ. وَأَمَّا إِنْ كَتَبَهُ وَلاَ نِيَّةَ لَهُ أَصْلاً حِينَ الْكِتَابَةِ فَيَلْزَمُهُ
الطَّلاَقُ، لِحَمْلِهِ عَلَى الْعَزْمِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ خِلاَفًا لِلَّخْمِيِّ. (1)

رَابِعًا: التَّعْبِيرُ بِالإِِْشَارَةِ:
6 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِشَارَةَ الأَْخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ تَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ لِلضَّرُورَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَدُل عَلَى مَا فِي فُؤَادِهِ، كَمَا يَدُل عَلَيْهِ النُّطْقُ مِنَ النَّاطِقِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِشَارَةِ غَيْرِ الأَْخْرَسِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا فِي الْعُقُودِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّ إِشَارَةَ النَّاطِقِ مُعْتَبَرَةٌ كَنُطْقِهِ - قَالُوا - وَهِيَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنَ الْمُعَاطَاةِ - لأَِنَّهَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا كَلاَمٌ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {آيَتُكَ أَنْ لاَ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} (2) وَالرَّمْزُ: الإِِْشَارَةُ. (3)
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِشَارَةٌ) .
__________
(1) حاشية ابن عابدين 2 / 428، وحاشية الدسوقي 2 / 384، ومواهب الجليل 4 / 58، ومغني المحتاج 3 / 284، وكشاف القناع 5 / 248.
(2) سورة آل عمران / 41.
(3) حاشية ابن عابدين 2 / 9، وحاشية الدسوقي 2 / 3، ومواهب الجليل 4 / 58، 229، ومغني المحتاج 2 / 7، 3 / 284، وحاشية الجمل 3 / 11، وكشاف القناع 3 / 364، 6 / 453، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 312، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 343 وما بعدها.

الصفحة 217