كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)
تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ (1) وَشَرْطُ جَوَازِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنْ يَخْرُجَ الْحَاجُّ مِنْ مِنًى قَبْل الْغُرُوبِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَإِِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِمِنًى، وَرَمَى الْيَوْمَ الثَّالِثَ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِلنَّهَارِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ اللَّيْل فَمَا تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ، وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال " مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى، فَلاَ يَنْفِرَنْ، حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (2)
وَلَمْ يُفَرِّقِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي هَذَا الشَّرْطِ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَالآْفَاقِيِّ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَخَصُّوا شَرْطَ التَّعْجِيل بِالْمُتَعَجِّل مِنْ أَهْل مَكَّةَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا فَلاَ يُشْتَرَطُ خُرُوجُهُ مِنْ مِنًى قَبْل الْغُرُوبِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَإِِنَّمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ قَبْل الْغُرُوبِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَهُ أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، مَا لَمْ يَطْلُعْ فَجْرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يَدْخُل الْيَوْمُ الآْخَرُ، فَجَازَ
__________
(1) حديث: " أيام منى ثلاث، فمن تعجل في يومين. . . " أخرجه أبو داود (2 / 486 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / 464 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(2) الأثر: " عن ابن عمر. . . " أخرجه مالك (1 / 407 - ط الحلبي) وإسناده صحيح.
لَهُ النَّفْرُ، كَمَا قَبْل الْغُرُوبِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَهْل مَكَّةَ هَل يَنْفِرُونَ النَّفْرَ الأَْوَّل؟ فَقِيل: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ. فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: مَنْ شَاءَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا فِي النَّفْرِ الأَْوَّل، إِلاَّ آل خُزَيْمَةَ، فَلاَ يَنْفِرُونَ إِلاَّ فِي النَّفْرِ الآْخَرِ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُول: لاَ يُعْجِبُنِي لِمَنْ نَفَرَ النَّفْرَ الأَْوَّل أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ، وَقَال: أَهْل مَكَّةَ أَخَفُّ، وَجَعَل أَحْمَدُ مَعْنَى قَوْل عُمَرَ (إِلاَّ آل خُزَيْمَةَ) أَيْ: أَنَّهُمْ أَهْل الْحَرَمِ، وَحَمَلَهُ فِي الْمُغْنِي عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، مُحَافَظَةً عَلَى الْعُمُومِ. وَكَانَ مَالِكٌ يَقُول فِي أَهْل مَكَّةَ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلَهُ أَنْ يَتَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ، فَإِِنْ أَرَادَ التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فَلاَ، فَرَأَى أَنَّ التَّعْجِيل لِمَنْ بَعُدَ قُطْرُهُ. وَقَال أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ: الآْيَةُ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرُّخْصَةُ لِجَمِيعِ النَّاسِ، أَهْل مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ، سَوَاءٌ أَرَادَ الْخَارِجُ مِنْ مِنًى الْمُقَامَ بِمَكَّةَ، أَوِ الشُّخُوصَ إِِلَى بَلَدِهِ.
11 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ بَيْنَ التَّعْجِيل وَالتَّأْخِيرِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) : إِِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ النَّفْرِ إِِلَى الثَّالِثِ أَفْضَل، لِلاِقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِِلَى أَنَّهُ لاَ تَفْضِيل بَيْنَ التَّعْجِيل وَالتَّأْخِيرِ، بَل هُمَا مُسْتَوِيَانِ.
وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّعْجِيل لِلإِِْمَامِ، لأَِجْل مَنْ يَتَأَخَّرُ.
الصفحة 224