كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)

يَجِبُ الضَّمَانُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَلَوْ سَوْطًا وَاحِدًا، لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ. (1)
وَمِنَ التَّعْذِيبِ الْمَشْرُوعِ لِلإِِْنْسَانِ ثَقْبُ أُذُنِ الطِّفْل مِنَ الْبَنَاتِ، لأَِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي زَمَنِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.

تَعْذِيبُ الْمُتَّهَمِ:
8 - قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْمُتَّهَمَ بِسَرِقَةٍ وَنَحْوِهَا إِِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالصَّلاَحِ، فَلاَ تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.
وَإِِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُول الْحَال لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأَْئِمَّةِ: أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَأَحْمَدُ، مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ. عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ (2) .
وَإِِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ، كَالسَّرِقَةِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالْقَتْل، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ حَبْسُهُ وَضَرْبُهُ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ. (3) وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَا عَلِمْتُ
__________
(1) ابن عابدين 5 / 363.
(2) حديث: " حبس النبي صلى الله عليه وسلم في تهمة " أخرجه الترمذي (3 / 28 - ط الحلبي) وقال: حديث حسن.
(3) حديث: أمر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب ماله. أورده ابن عابدين في حاشيته (3 / 195) . ولم نجده فيما بين أيدينا من كتب السنة.
أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَقُول: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ، وَيُرْسَل بِلاَ حَبْسٍ، وَلاَ غَيْرِهِ. وَقَال الْبُجَيْرِمِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّرْبَ حَرَامٌ فِي الشِّقَّيْنِ، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ضُرِبَ لِيُقِرَّ، أَوْ لِيَصْدُقَ، خِلاَفًا لِمَا تُوُهِّمَ حِلُّهُ إِِذَا ضُرِبَ لِيَصْدُقَ.
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ: هَل الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي، أَوْ كِلاَهُمَا؟ أَوْ لاَ يُسَوَّغُ ضَرْبُهُ، عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهَذَا قَوْل طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، مِنْهُمْ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَإِِنَّهُ قَال: يُمْتَحَنُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ، وَيُضْرَبُ بِالسَّوْطِ مُجَرَّدًا.
الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي، وَهَذَا قَوْل بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
الْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْبَسُ وَلاَ يُضْرَبُ، وَهَذَا قَوْل أَصْبَغَ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمُطَرِّفٌ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ. (1)

9 - أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ التَّعْذِيبُ غَيْرُ الْمَشْرُوعِ
__________
(1) المبسوط 9 / 195 و 24 / 51، 70، وابن عابدين 3 / 195، والمدونة 6 / 293، والدسوقي 4 / 345، والزرقاني 8 / 106 - 107، والطرق الحكمية 100 - 104، وحاشية البجيرمي 3 / 73، ونهاية المحتاج 5 / 71.

الصفحة 245