كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)
وَتَرْكُ قَضَاءِ الدَّيْنِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَدَمُ أَدَاءِ الأَْمَانَةِ، وَعَدَمُ رَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَكَتْمُ الْبَائِعِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُهُ، كَأَنْ يُدَلِّسَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبًا خَفِيًّا وَنَحْوِهِ، وَالشَّاهِدُ وَالْمُفْتِي وَالْحَاكِمُ يُعَزِّرُونَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ (1) .
وَمِثَال فِعْل الْمُحَرَّمِ: سَرِقَةُ مَا لاَ قَطْعَ فِيهِ، لِعَدَمِ تَوَافُرِ شُرُوطِ النِّصَابِ أَوِ الْحِرْزِ مَثَلاً، وَتَقْبِيل الأَْجْنَبِيَّةِ، وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَالْغِشُّ فِي الأَْسْوَاقِ، وَالْعَمَل بِالرِّبَا، وَشَهَادَةُ الزُّورِ (2) .
وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْل مُبَاحًا فِي ذَاتِهِ لَكِنَّهُ يُؤَدِّي لِمَفْسَدَةٍ، وَحُكْمُهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ - وَعَلَى الْخُصُوصِ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّهُ يَصِيرُ حَرَامًا، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَارْتِكَابُ مِثْل هَذَا الْفِعْل فِيهِ التَّعْزِيرُ، مَا دَامَ لَيْسَتْ لَهُ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ.
وَمَا ذُكِرَ هُوَ عَنِ الْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ، أَمَّا عَنِ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ - فَعِنْدَ بَعْضِ الأُْصُولِيِّينَ: الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَمَطْلُوبٌ فِعْلُهُ، وَالْمَكْرُوهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمَطْلُوبٌ تَرْكُهُ، وَيُمَيَّزُ الْمَنْدُوبُ عَنِ الْوَاجِبِ أَنَّ الذَّمَّ يَسْقُطُ عَنْ تَارِكِ الْمَنْدُوبِ، لَكِنَّهُ يَلْحَقُ تَارِكَ الْوَاجِبِ. وَيُمَيَّزُ الْمَكْرُوهُ عَنِ الْمُحَرَّمِ: أَنَّ الذَّمَّ يَسْقُطُ عَنْ مُرْتَكِبِ الْمَكْرُوهِ، وَلَكِنَّهُ يَثْبُتُ عَلَى مُرْتَكِبِ الْمُحَرَّمِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ
__________
(1) تبصرة الحكام 2 / 366، ومعين الحكام / 189 ط بولاق، وكشاف القناع 4 / 75، والأحكام السلطانية للماوردي / 210.
(2) تبصرة الحكام 2 / 367.
تَارِكُ الْمَنْدُوبِ أَوْ فَاعِل الْمَكْرُوهِ عَاصِيًا؛ لأَِنَّ الْعِصْيَانَ اسْمُ ذَمٍّ، وَالذَّمُّ أُسْقِطَ عَنْهُمَا، وَلَكِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ مَنْ يَتْرُكُ الْمَنْدُوبَ أَوْ يَأْتِي الْمَكْرُوهَ مُخَالِفًا، وَغَيْرَ مُمْتَثِلٍ.
وَعِنْدَ آخَرِينَ: الْمَنْدُوبُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الأَْمْرِ، وَالْمَكْرُوهُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ النَّهْيِ، فَيَكُونُ الْمَنْدُوبُ مُرَغَّبًا فِي فِعْلِهِ، وَالْمَكْرُوهُ مُرَغَّبًا عَنْهُ. وَعِنْدَهُمْ لاَ يُعْتَبَرُ تَارِكُ الْمَنْدُوبِ وَفَاعِل الْمَكْرُوهِ عَاصِيًا. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْزِيرِ تَارِكِ الْمَنْدُوبِ، وَفَاعِل الْمَكْرُوهِ، فَفَرِيقٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ؛ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، وَلاَ تَعْزِيرَ بِغَيْرِ تَكْلِيفٍ. وَفَرِيقٌ أَجَازَهُ، اسْتِنَادًا عَلَى فِعْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَدْ عَزَّرَ رَجُلاً أَضْجَعَ شَاةً لِذَبْحِهَا، وَأَخَذَ يُحِدُّ شَفْرَتَهُ وَهِيَ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ، وَهَذَا الْفِعْل لَيْسَ إِلاَّ مَكْرُوهًا، وَيَأْخُذُ هَذَا الْحُكْمَ مَنْ يَتْرُكُ الْمَنْدُوبَ.
وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: قَدْ يُشْرَعُ التَّعْزِيرُ وَلاَ مَعْصِيَةَ، كَتَأْدِيبِ طِفْلٍ، وَكَافِرٍ، وَكَمَنْ يَكْتَسِبُ بِآلَةِ لَهْوٍ لاَ مَعْصِيَةَ فِيهَا (1) .
__________
(1) معين الحكام / 189، وفتح القدير 4 / 117، وتبصرة الحكام 2 / 366 - 367، ومواهب الجليل 6 / 320، ونهاية المحتاج 7 / 173 - 174، والأحكام السلطانية للماوردي / 210، وكشاف القناع 4 / 75، والسياسة الشرعية لابن تيمية / 55، والأحكام السلطانية لأبي يعلى / 244، والمستصفى للغزالي 1 / 75 - 76، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي 1 / 160، والقليوبي 4 / 205.
الصفحة 258