كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)

اجْتِمَاعُ التَّعْزِيرِ مَعَ الْحَدِّ أَوِ الْقِصَاصِ أَوِ الْكَفَّارَةِ:
9 - قَدْ يَجْتَمِعُ التَّعْزِيرُ مَعَ الْحَدِّ، فَالْحَنَفِيَّةُ لاَ يَرَوْنَ تَغْرِيبَ الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ مِنْ حَدِّ الزِّنَى. فَعِنْدَهُمْ أَنَّ حَدَّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ لاَ غَيْرُ، وَلَكِنَّهُمْ يُجِيزُونَ تَغْرِيبَهُ بَعْدَ الْجَلْدِ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ (1) . وَيَجُوزُ تَعْزِيرُ شَارِبِ الْخَمْرِ بِالْقَوْل، بَعْدَ إِقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَيْهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِتَبْكِيتِ شَارِبِ الْخَمْرِ بَعْدَ الضَّرْبِ (2) .
وَالتَّبْكِيتُ تَعْزِيرٌ بِالْقَوْل، وَمِمَّنْ قَال بِذَلِكَ: الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ (3) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْجَارِحَ عَمْدًا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَيُؤَدَّبُ. وَمِنْ ثَمَّ فَالتَّعْزِيرُ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَ الْقِصَاصِ فِي الاِعْتِدَاءِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدًا. وَالشَّافِعِيُّ يُجِيزُ اجْتِمَاعَ التَّعْزِيرِ مَعَ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنَ الْجِنَايَاتِ عَلَى الْبَدَنِ، وَهُوَ أَيْضًا يَقُول بِجَوَازِ اجْتِمَاعِ التَّعْزِيرِ مَعَ الْحَدِّ، مِثْل تَعْلِيقِ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ بَعْدَ قَطْعِهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، زِيَادَةً فِي النَّكَال. وَقَال أَحْمَدُ
__________
(1) معين الحكام / 182، وبداية المجتهد 2 / 364 - 365 ط الجمالية.
(2) حديث: " أمر صلى الله عليه وسلم بتبكيت شارب الخمر بعد الضرب " أخرجه أبو داود (4 / 620 - 621 تحقيق عزت عبيد دعاس) . وإسناده حسن.
(3) معين الحكام 189، وتبصرة الحكام لابن فرحون 2 / 266، ومواهب الجليل 6 / 247.
بِذَلِكَ، لِمَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ (1) . وَأَنَّ عَلِيًّا فَعَل ذَلِكَ، وَمِثْل: الزِّيَادَةِ عَنِ الأَْرْبَعِينَ فِي حَدِّ الشُّرْبِ؛ لأَِنَّ حَدَّ الشُّرْبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعُونَ (2) .
وَقَدْ يَجْتَمِعُ التَّعْزِيرُ مَعَ الْكَفَّارَةِ. فَمِنَ الْمَعَاصِي مَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ الأَْدَبِ، كَالْجِمَاعِ فِي حَرَامٍ، وَفِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَوَطْءِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا قَبْل الْكَفَّارَةِ إِِذَا كَانَ الْفِعْل مُتَعَمِّدًا فِي جَمِيعِهَا.
وَقِيل بِالتَّعْزِيرِ كَذَلِكَ فِي حَلِفِ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، فَإِِنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ فِي يَمِينِ الْغَمُوسِ، وَفِيهَا التَّعْزِيرُ. وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي الْقَتْل الَّذِي لاَ قَوَدَ فِيهِ، كَالْقَتْل الَّذِي عُفِيَ عَنِ الْقِصَاصِ فِيهِ، تَجِبُ عَلَى الْقَاتِل الدِّيَةُ، وَتُسْتَحَبُّ لَهُ الْكَفَّارَةُ، وَيُضْرَبُ مِائَةً، وَيُحْبَسُ سَنَةً، وَهَذَا تَعْزِيرٌ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَ الْكَفَّارَةِ (3) .
وَقَال الْبَعْضُ فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ: بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ مَعَ الْكَفَّارَةِ، لأَِنَّ هَذِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، بِمَنْزِلَةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ، وَلَيْسَتْ لأَِجْل الْفِعْل،
__________
(1) حديث فضالة بن عبيد " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق ". أخرجه النسائي (8 / 92 - المكتبة التجارية) وقال النسائي عقبه: الحجاج بن أرطأة ضعيف، لا يحتج به.
(2) نهاية المحتاج 7 / 172 - 173، والمغني لابن قدامة 10 / 266 - 267.
(3) تبصرة الحكام 2 / 236 - 237، ونهاية المحتاج 7 / 172 - 173، وجواهر الإكليل 2 / 272.

الصفحة 259