كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)
وَقَدْ حَصَل الْخِلاَفُ فِي التَّعْزِيرِ هَل هُوَ وَاجِبٌ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ أَمْ لاَ فَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ قَالُوا بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ فِيمَا شَرَعَ فِيهِ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، اسْتِنَادًا إِِلَى أَنَّ رَجُلاً قَال لِلرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَقِيتُ امْرَأَةً فَأَصَبْتُ مِنْهَا دُونَ أَنْ أَطَأَهَا. فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) أَصَلَّيْت مَعَنَا؟ قَال نَعَمْ: فَتَلاَ عَلَيْهِ آيَةَ: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْل إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (2) . وَإِِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الأَْنْصَارِ. اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ (3) وَإِِلَى أَنَّ رَجُلاً قَال لِلرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُكْمٍ حَكَمَ بِهِ لِلزُّبَيْرِ لَمْ يَرُقْهُ: أَنْ كَانَ
__________
(1) حديث: " عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له، فأنزلت عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) قال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي " (الفتح 8 / 355 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 2115 - 2116 - ط الحلبي.) . وأخرج مسلم (4 / 2117 - ط الحلبي) عن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أصبت حدا، فأقمه علي قال: وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقم
(2) سورة هود / 114.
(3) حديث: " اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ". أخرجه البخاري (الفتح 7 / 121 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1949 - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
ابْنَ عَمَّتِكَ، فَغَضِبَ. وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ عَزَّرَهُ (1) .
وَقَال آخَرُونَ، وَمِنْهُمْ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ مَا كَانَ مِنَ التَّعْزِيرِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ كَوَطْءِ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَجِبُ امْتِثَال الأَْمْرِ فِيهِ. أَمَّا مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ فَإِِنَّهُ يَجِبُ إِِذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، أَوْ كَانَ لاَ يَنْزَجِرُ الْجَانِي إِلاَّ بِهِ، فَإِِنَّهُ يَجِبُ كَالْحَدِّ، أَمَّا إِِذَا عُلِمَ أَنَّ الْجَانِيَ يَنْزَجِرُ بِدُونِ التَّعْزِيرِ فَإِِنَّهُ لاَ يَجِبُ. وَيَجُوزُ لِلإِِْمَامِ فِيهِ الْعَفْوُ إِنْ كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، خِلاَفُ مَا هُوَ مِنْ حَقِّ الأَْفْرَادِ (2) .
التَّعْزِيرُ عُقُوبَةٌ مُفَوَّضَةٌ:
الْمُرَادُ بِالتَّفَوُّضِ وَأَحْكَامِهِ:
11 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ التَّعْزِيرَ عُقُوبَةٌ مُفَوَّضَةٌ إِِلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ، وَهَذَا التَّفْوِيضُ فِي التَّعْزِيرِ مِنْ أَهَمِّ أَوْجُهِ الْخِلاَفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِّ الَّذِي هُوَ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الشَّارِعِ. وَعَلَى الْحَاكِمِ فِي تَقْدِيرِ عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ مُرَاعَاةُ حَال الْجَرِيمَةِ وَالْمُجْرِمِ. أَمَّا مُرَاعَاةُ حَال الْجَرِيمَةِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهُ قَوْل الأُْسْرُوشَنِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ الْقَاضِي إِِلَى سَبَبِهِ، فَإِِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ
__________
(1) حديث: " أن رجلا قال للرسول صلى الله عليه وسلم في حكم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 8 / 254 ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1829 - ط الحلبي) .
(2) ابن عابدين 3 / 192، والأحكام السلطانية للماوردي / 225.
الصفحة 261