كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)
لَيْسَ هَوَانًا مَعَ أَنَّهُ فِي مِصْرَ وَالْعِرَاقِ هَوَانٌ. وَقَال: إِنَّهُ يُلاَحَظُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا نَفْسُ الشَّخْصِ، فَإِِنَّ فِي الشَّامِ مَثَلاً مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الطَّيْلَسَانَ وَأَلِفَهُ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ - يُعْتَبَرُ قَطْعُهُ تَعْزِيرًا لَهُمْ. فَمَا ذُكِرَ ظَاهِرٌ مِنْهُ: أَنَّ الأَْمْرَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى اخْتِلاَفِ التَّعْزِيرِ بِاخْتِلاَفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالأَْشْخَاصِ، مَعَ كَوْنِ الْفِعْل مَحَلًّا لِذَلِكَ، بَل إِنَّ هَذَا الاِخْتِلاَفَ قَدْ يَجْعَل الْفِعْل نَفْسَهُ غَيْرَ مُعَاقَبٍ عَلَيْهِ، بَل قَدْ يَكُونُ مَكْرُمَةً (1) .
الأَْنْوَاعُ الْجَائِزَةُ فِي عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ:
12 - يَجُوزُ فِي مَجَال التَّعْزِيرِ: إِيقَاعُ عُقُوبَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَخْتَارُ مِنْهَا الْحَاكِمُ فِي كُل حَالَةٍ مَا يَرَاهُ مُنَاسِبًا مُحَقِّقًا لأَِغْرَاضِ التَّعْزِيرِ.
وَهَذِهِ الْعُقُوبَاتُ قَدْ تَنْصَبُّ عَلَى الْبَدَنِ، وَقَدْ تَكُونُ مُقَيِّدَةً لِلْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ تُصِيبُ الْمَال، وَقَدْ تَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ هَذَا الإِِْجْمَال.
__________
(1) يراجع فيما سبق: فصول الأستروشني ص 14 - 20، ابن عابدين 3 / 183، السندي 7 / 603 - 605، وتبصرة الحكام 2 / 366، ونهاية المحتاج 7 / 174 - 175، والأحكام السلطانية للماوردي ص 224، والسياسة الشرعية ص 53، والحسبة ص 38.
الْعُقُوبَاتُ الْبَدَنِيَّةُ:
أ - التَّعْزِيرُ بِالْقَتْل:
13 - الأَْصْل: أَنَّهُ لاَ يُبْلَغُ بِالتَّعْزِيرِ الْقَتْل، وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} (1) وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ (2) . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى جَوَازِ الْقَتْل تَعْزِيرًا فِي جَرَائِمَ مُعَيَّنَةٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ، مِنْ ذَلِكَ: قَتْل الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ إِِذَا تَجَسَّسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَذَهَبَ إِِلَى جَوَازِ تَعْزِيرِهِ بِالْقَتْل مَالِكٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ أَحْمَدُ. وَمِنْ ذَلِكَ: قَتْل الدَّاعِيَةِ إِِلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَالْجَهْمِيَّةِ. ذَهَبَ إِِلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ. وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّعْزِيرَ بِالْقَتْل فِيمَا تَكَرَّرَ مِنَ الْجَرَائِمِ، إِِذَا كَانَ جِنْسُهُ يُوجِبُ الْقَتْل، كَمَا يُقْتَل مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ اللِّوَاطُ أَوِ الْقَتْل
__________
(1) سورة الأنعام / 151.
(2) حديث: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث. . . " أخرجه البخاري (الفتح 12 / 201 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1302 - 1303 ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
الصفحة 263