كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)
بِأَنْ يُقَال لَهُ مَثَلاً: يَا ظَالِمُ، يَا مُعْتَدٍ. وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّعْزِيرِ بِالْقَوْل. وَقَدْ جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ لاِبْنِ فَرْحُونَ: وَأَمَّا التَّعْزِيرُ بِالْقَوْل فَدَلِيلُهُ مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَال: اضْرِبُوهُ فَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا الضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِإِِسْنَادِهِ: ثُمَّ قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَِصْحَابِهِ بَكِّتُوهُ فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ: مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ، مَا خَشِيتَ اللَّهَ، مَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَذَا التَّبْكِيتُ مِنَ التَّعْزِيرِ بِالْقَوْل (1) .
وَقَدْ عَزَّرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّوْبِيخِ. فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْفَذَ جَيْشًا فَغَنِمُوا غَنَائِمَ، فَلَمَّا رَجَعُوا لَبِسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ، فَلَمَّا رَآهُمْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، فَقَالُوا: أَعْرَضْتَ عَنَّا، فَقَال: انْزَعُوا ثِيَابَ أَهْل النَّارِ، فَنَزَعُوا مَا كَانُوا
__________
(1) حديث " بكتوه ". وقال في آخره: " ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ". أخرجه أبو داود (4 / 620 - 621 تحقيق عزت عبيد دعاس) ، وإسناده حسن، والحديث لفظه في نيل الأوطار: عن أبي هريرة قال: " أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، فقال: اضربوه فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه ال وراجع تبصرة الحكام 2 / 200، وكشاف القناع 4 / 74، والشرح الكبير 4 / 458، والفتاوى 1 / 167، ومغني المحتاج 4 / 192.
يَلْبَسُونَ مِنَ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ. وَذَلِكَ فِيهِ تَعْزِيرٌ لَهُمْ بِالإِِْعْرَاضِ عَنْهُمْ، وَفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ (1) .
كَيْفِيَّةُ التَّوْبِيخِ:
28 - التَّوْبِيخُ قَدْ يَكُونُ بِإِِعْرَاضِ الْقَاضِي عَنِ الْجَانِي، أَوْ بِالنَّظَرِ لَهُ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِإِِقَامَةِ الْجَانِي مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْكَلاَمِ الْعَنِيفِ، وَيَكُونُ بِزَوَاجِرِ الْكَلاَمِ وَغَايَةِ الاِسْتِخْفَافِ، عَلَى شَرِيطَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ قَذْفٌ، وَمَنَعَ الْبَعْضُ مَا فِيهِ السَّبُّ أَيْضًا (2) .
د - الْهَجْرُ:
29 - الْهَجْرُ مَعْنَاهُ: مُقَاطَعَةُ الْجَانِي، وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الاِتِّصَال بِهِ، أَوْ مُعَامَلَتِهِ بِأَيِّ نَوْعٍ، أَوْ أَيَّةِ طَرِيقَةٍ كَانَتْ.
وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
__________
(1) فصول الأستروشني ص 14، والكاساني 7 / 64.
(2) يراجع للتوبيخ: الكاساني 7 / 64، والزيلعي 3 / 208، ودرر الحكام 2 / 75، واللباب للميداني 3 / 65، والسندي 7 / 604، وفصول الأستروشني ص 14، والأنقروية 1 / 158، والهندية 2 / 188، وتبصرة الحكام 2 / 200، ونهاية المحتاج 7 / 174، والأحكام السلطانية للماوردي ص 224، وكشاف القناع 4 / 74، والشرح الكبير 4 / 458، والحسبة ص 38، والسياسة الشرعية ص 53.
الصفحة 275