كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 12)

34 - وَمِنَ الأُْصُول الثَّابِتَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَا لاَ قِصَاصَ فِيهِ عِنْدَهُمْ كَالْقَتْل بِالْمُثَقَّل (وَهُوَ الْقَتْل بِمِثْل الْحَجَرِ الْكَبِيرِ أَوِ الْخَشَبَةِ الْعَظِيمَةِ) يَجُوزُ لِلإِِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ فِيهِ بِمَا يَصِل لِلْقَتْل، إِِذَا تَكَرَّرَ ارْتِكَابُهُ، مَا دَامَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ. وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الأَْصْل قَالُوا بِالتَّعْزِيرِ بِالْقَتْل لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الْخَنْقُ، أَوِ التَّغْرِيقُ، أَوِ الإِِْلْقَاءُ مِنْ مَكَان مُرْتَفِعٍ، إِِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُ إِلاَّ بِالْقَتْل (1) .

الاِعْتِدَاءُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ:
35 - إِِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدًا فَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فَضْلاً عَنْ شُرُوطِهِ فِي النَّفْسِ: الْمُمَاثَلَةُ، وَإِِمْكَانُ اسْتِيفَاءِ الْمِثْل (2) .
وَيَرَى مَالِكٌ التَّعْزِيرَ أَيْضًا فِي الْجِنَايَةِ الْعَمْدَ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، إِِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ، أَوِ امْتَنَعَ لِسَبَبٍ أَوْ لآِخَرَ، فَيَكُونُ فِي الْجَرِيمَةِ التَّعْزِيرُ مَعَ الدِّيَةِ، أَوِ الأَْرْشُ، أَوْ بِدُونِهِ، تَبَعًا لِلأَْحْوَال. وَمِثَال ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَلَى عَظْمٍ خَطَرٍ. إِذِ الْعِظَامُ الْخَطِرَةُ لاَ قِصَاصَ فِيهَا عِنْدَهُ، مِثْل عِظَامِ الصُّلْبِ، وَالْفَخِذِ، وَالْعُنُقِ، وَمِثْل الْمُنَقِّلَةِ، وَالْمَأْمُومَةِ، وَيُقَال ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْجَائِفَةِ؛
__________
(1) الكاساني 7 / 234، وابن عابدين 3 / 184 - 185، وكشاف القناع 4 / 73، والسياسة الشرعية ص 55.
(2) تبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك 2 / 366 - 367، ومواهب الجليل 6 / 247.
لأَِنَّهُ لاَ يُسْتَطَاعُ فِيهَا الْقِصَاصُ (1) ، وَفِي كُل مَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ بِالْجِنَايَةِ مَعَ بَقَائِهِ قَائِمًا فِي الْجِسْمِ، وَبَقَاءِ جَمَالِهِ، فَإِِذَا ضَرَبَهُ عَلَى عَيْنِهِ فَذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَقِيَ جَمَالُهَا فَلاَ قَوَدَ فِيهَا. وَمِثْل ذَلِكَ الْيَدِ إِِذَا شُلَّتْ وَلَمْ تَبِنْ عَنِ الْجِسْمِ، فَفِي هَذِهِ وَمَا يُمَاثِلُهَا يُعَزَّرُ الْجَانِي مَعَ أَخْذِ الْعَقْل مِنْهُ (أَيِ الدِّيَةِ) (2) .
وَإِِذَا لَمْ يَتْرُكِ الاِعْتِدَاءُ عَلَى الْجِسْمِ أَثَرًا: فَأَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ التَّعْزِيرَ، لاَ الْقِصَاصَ. وَلَدَى بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ الْقِصَاصُ فِي ضَرْبَةِ السَّوْطِ، وَلَوْ لَمْ يُحْدِثْ جُرْحًا وَلاَ شَجَّةً، مَعَ أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ عِنْدَهُمْ فِي اللَّطْمَةِ، وَضَرْبَةِ الْعَصَا، إِلاَّ إِِذَا خَلَّفَتْ جُرْحًا أَوْ شَجَّةً. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ ضَرْبَةَ السَّوْطِ فِي ذَلِكَ كَاللَّطْمَةِ فِيهِ الأَْدَبُ، وَنَقَل ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ أَشْهَبَ.
وَيَرَى ابْنُ الْقَيِّمِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: الْقِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ وَالضَّرْبَةِ (3) .

الزِّنَى الَّذِي لاَ حَدَّ فِيهِ، وَمُقَدِّمَاتُهُ:
36 - الزِّنَى إِِذَا تَوَافَرَتِ الشَّرَائِطُ الشَّرْعِيَّةُ لِثُبُوتِهِ
__________
(1) مواهب الجليل 6 / 247، والتاج والإكليل على هامشه، والمدونة 16 / 112
(2) مواهب الجليل 6 / 247 - 249.
(3) الكاساني 7 / 299، ومعين الحكام ص 177، ومواهب الجليل 6 / 247، وكشاف القناع 4 / 72 - 73، وإعلام الموقعين 2 / 2.

الصفحة 277