كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 13)

كَذَلِكَ بَل يَنْعَقِدُ عَقِبَ الأَْوَّل إِجْمَاعًا، وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ فَلاَ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إِمْكَانُ الأَْدَاءِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ بِلاَ تَفْرِيطٍ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ قُدَامَةَ.
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ إِذَا تَلِفَ بِجَائِحَةٍ قَبْل الْقَطْعِ، فَإِنَّ زَكَاتَهُمَا تَسْقُطُ، فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ الْجَائِحَةِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْخَارِصَ إِذَا خَرَصَ الثَّمَرَ ثُمَّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ قَبْل الْجُذَاذِ، وَلأَِنَّهُ قَبْل الْجُذَاذِ فِي حُكْمِ مَا لاَ تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى ثَمَرَهُ فَتَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ فِي تَلَفِ الْمَوَاشِي قَيْدًا ثَالِثًا وَهُوَ مَجِيءُ السَّاعِي، فَإِذَا تَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ بَعْدَ الْحَوْل وَقَبْل مَجِيءِ السَّاعِي فَلاَ يُحْسَبُ مَا تَلِفَ أَوْ ضَاعَ، وَإِنَّمَا يُزَكَّى الْبَاقِي إِنْ كَانَ فِيهِ زَكَاةٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ مَجِيءَ السَّاعِي شَرْطَ وُجُوبٍ، وَكَذَلِكَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ عَنْهَا لَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ مَجِيءِ السَّاعِي وَالْعَدِّ وَقَبْل أَخْذِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَجِيئَهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إِلَى الأَْخْذِ، كَدُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، فَقَدْ يَطْرَأُ أَثْنَاءَ الْوَقْتِ مَا يُسْقِطُهَا كَالْحَيْضِ، كَذَلِكَ التَّلَفُ بَعْدَ الْمَجِيءِ وَالْعَدِّ، وَأَمَّا لَوْ ذَبَحَ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ قَصْدِ الْفِرَارِ، أَوْ بَاعَ شَيْئًا كَذَلِكَ بَعْدَ مَجِيءِ السَّاعِي وَقَبْل الأَْخْذِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَيُحْسَبُ عِلْمُ الْمُعْتَمَدِ،
وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِقَصْدِ الْفِرَارِ فَتَجِبُ زَكَاتُهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل الْحَوْل.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَال بَعْدَ الْحَوْل سَوَاءٌ أَتَمَكَّنَ مِنَ الأَْدَاءِ أَمْ لاَ.
وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُ النِّصَابِ سَقَطَ مِنَ الْوَاجِبِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا هَلَكَ مِنْهُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَيْنِ لاَ بِالذِّمَّةِ، وَلأَِنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ وُجُوبَهَا بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ، وَالْمُعَلَّقُ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ لاَ يَبْقَى دُونَهَا، وَيَقْصِدُونَ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ هُنَا وَصْفُ النَّمَاءِ أَيْ إِمْكَانُ الاِسْتِثْمَارِ، لاَ مُجَرَّدُ وُجُودِ النِّصَابِ (1) .
وَأَمَّا إِذَا تَلِفَ الْمَال بَعْدَ الْحَوْل بِفِعْل الْمُزَكِّي نَفْسِهِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ، وَإِنِ انْتَفَتِ الْقُدْرَةُ الْمُيَسَّرَةُ لِبَقَائِهَا تَقْدِيرًا، زَجْرًا لَهُ عَنِ التَّعَدِّي وَنَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ.
هَذِهِ الأَْحْكَامُ فِيمَا إِذَا كَانَ التَّلَفُ بَعْدَ حُلُول الْحَوْل، وَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّلَفُ قَبْل حُلُول الْحَوْل فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ لِعَدَمِ الشَّرْطِ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ إِنْ أَتْلَفَ رَبُّ الْمَال قَبْل الْحَوْل إِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْفِرَارَ مِنْهَا، فَإِنْ قَصَدَ بِالإِْتْلاَفِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
__________
(1) حاشية ابن عابدين 2 / 20، 21، 73 وما بعدها، وحاشية الدسوقي 1 / 443، 454، 503، ومواهب الجليل 2 / 363، ومغني المحتاج 1 / 387، 418، وكشاف القناع 2 / 182، والإنصاف 3 / 39، 40، والمغني لابن قدامة 2 / 681، 682.

الصفحة 268