كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

لِلصُّدَاعِ، وَخِفَّةِ الْعَقْل، وَزَوَال الْمَال، وَخَدْشِ الْعِرْضِ لاَ يَكُونُ تَائِبًا.
وَالنَّدَمُ لِخَوْفِ النَّارِ أَوْ طَمَعِ الْجَنَّةِ يُعْتَبَرُ تَوْبَةٌ (1) .
وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ هَذِهِ الشُّرُوطَ أَوْ أَكْثَرَهَا مِنْ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ فَقَالُوا: التَّوْبَةُ النَّدَمُ مَعَ الإِْقْلاَعِ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ، وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: النَّدَمُ رُكْنٌ مِنَ التَّوْبَةِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الإِْقْلاَعَ عَنِ الذَّنْبِ وَالْعَزْمَ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ، وَأَمَّا رَدُّ الْمَظَالِمِ لأَِهْلِهَا فَوَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ (2) . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: النَّدَمُ تَوْبَةٌ (3) .
وَعَلَى جَمِيعِ الاِعْتِبَارَاتِ لاَ بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الإِْقْلاَعَ عَنِ الذَّنْبِ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِرَدِّ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا، أَوْ بِاسْتِحْلاَلِهِمْ مِنْهَا فِي حَالَةِ الْقُدْرَةِ، وَهَذَا كَمَا يَلْزَمُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ يَلْزَمُ كَذَلِكَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، كَدَفْعِ الزَّكَوَاتِ، وَالْكَفَّارَاتِ إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا (4) .
__________
(1) تفسير الألوسي 28 / 158، وبلغة السالك 4 / 738، ودستور العلماء 1 / 362، والفواكه الدواني 1 / 88، والجمل على شرح المنهج 5 / 387، وكشاف القناع 6 / 425.
(2) المراجع السابقة.
(3) حديث: " الندم توبة ". سبق تخريجه ف / 1.
(4) تفسير الألوسي 28 / 159، وحاشية العدوي 1 / 67، والروضة 11 / 245، وحاشية القليوبي 4 / 201، ومدارج السالكين لابن القيم 1 / 305.
وَرَدُّ الْحُقُوقِ يَكُونُ حَسَبَ إِمْكَانِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ أَوِ الْمَغْصُوبُ مَوْجُودًا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَإِلاَّ يَرُدُّ الْمِثْل إِنْ كَانَا مِثْلِيَّيْنِ وَالْقِيمَةَ إِنْ كَانَا قِيَمِيَّيْنِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ نَوَى رَدَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِنِيَّةِ الضَّمَانِ لَهُ إِنْ وَجَدَهُ. فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا حَقٌّ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لآِدَمِيٍّ كَالْقِصَاصِ اشْتَرَطَ فِي التَّوْبَةِ التَّمْكِينَ مِنْ نَفْسِهِ وَبَذْلَهَا لِلْمُسْتَحِقِّ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَتَوْبَتُهُ بِالنَّدَمِ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي آثَارِ التَّوْبَةِ (1) .

إِعْلاَنُ التَّوْبَةِ:
5 - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: التَّوْبَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ بَاطِنَةٍ وَحُكْمِيَّةٍ، فَأَمَّا الْبَاطِنَةُ: فَهِيَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ لاَ تُوجِبُ حَقًّا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ كَقُبْلَةِ أَجْنَبِيَّةٍ أَوِ الْخَلْوَةِ بِهَا، وَشُرْبِ مُسْكِرٍ، أَوْ كَذِبٍ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لاَ يَعُودَ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال:
النَّدَمُ تَوْبَةٌ (2) وَقِيل: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تَجْمَعُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ، النَّدَمَ بِالْقَلْبِ، وَالاِسْتِغْفَارَ بِاللِّسَانِ، وَإِضْمَارَ أَنْ لاَ يَعُودَ، وَمُجَانَبَةَ خُلَطَاءِ السُّوءِ، وَإِنْ كَانَتْ تُوجِبُ عَلَيْهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لآِدَمِيٍّ كَمَنْعِ الزَّكَاةِ وَالْغَصْبِ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَتَرْكُ الْمَظْلِمَةِ حَسَبَ إِمْكَانِهِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ
__________
(1) الفواكه الدواني 1 / 89، والروضة 11 / 245، والمغني 9 / 201.
(2) حديث: " الندم توبة " سبق تخريجه ف / 1.

الصفحة 121