كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

ثَالِثًا: فِي التَّعْزِيرَاتِ:
20 - يَسْقُطُ التَّعْزِيرُ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، كَتَرْكِ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ مَثَلاً؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّعْزِيرِ التَّأْدِيبُ وَالإِْصْلاَحُ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالتَّوْبَةِ، بِخِلاَفِ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ؛ لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ كَمَا مَرَّ (1) .
وَلِلتَّفْصِيل اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَعْزِيرٌ) .

رَابِعًا: فِي قَبُول الشَّهَادَةِ:
21 - يُشْتَرَطُ فِي قَبُول الشَّهَادَةِ الْعَدَالَةُ، فَمَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَوْ أَصَرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ وَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ إِذَا لَمْ يَتُبْ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (2) .
وَإِذَا تَابَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَقِيل بِقَبُول تَوْبَتِهِ تُقْبَل شَهَادَتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْحُدُودِ أَمْ مِنَ التَّعْزِيرَاتِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ أَمْ قَبْلَهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُول شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ:
__________
(1) ابن عابدين 1 / 31، و3 / 191، والفروق للقرافي 4 / 181، ونهاية المحتاج 7 / 398، وجواهر الإكليل 2 / 265، وكشاف القناع 6 / 153، والمغني 10 / 316.
(2) الزيلعي 4 / 226، وروضة الطالبين 11 / 225، وجواهر الإكليل 2 / 233، والمغني 9 / 167 - 170.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، وَتَوْبَتُهُ بِتَكْذِيبِ نَفْسِهِ فِيمَا قَذَفَ بِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَال: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} (1) ، فَاسْتَثْنَى التَّائِبِينَ بِقَوْلِهِ: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} وَالاِسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ وَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ؛ لأَِنَّ الْجُمَل الْمَعْطُوفَةَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ، وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ فَتُجْعَل الْجُمَل كُلُّهَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَيَعُودُ الاِسْتِثْنَاءُ إِلَى جَمِيعِهَا (2) .
وَلأَِنَّ الْقَاذِفَ لَوْ تَابَ قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تُقْبَل شَهَادَتُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَلاَ جَائِزَ أَنْ تَكُونَ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّهُ فِعْل الْغَيْرِ وَهُوَ مُطَهِّرٌ أَيْضًا. وَلأَِنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ فَهَذَا أَوْلَى (3) .
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول لأَِبِي بَكْرَةَ حِينَ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: تُبْ أَقْبَل شَهَادَتَك. وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ
__________
(1) سورة النور / 4.
(2) التاج والإكليل للمواق 6 / 161، والوجيز للغزالي 2 / 251، والمغني لابن قدامة 9 / 197، 199.
(3) تبيين الحقائق للزيلعي في سرد أدلة الشافعية 4 / 218.

الصفحة 132