كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)
قَال الْقُرْطُبِيُّ: قَال عُلَمَاؤُنَا: فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَل اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (1) } وَمَا شَابَهَ هَذِهِ الآْيَةَ وَالأَْحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَعْنَاهَا رَدٌّ عَلَى غُلاَةِ الزَّاهِدِينَ، وَعَلَى أَهْل الْبَطَالَةِ مِنَ الْمُتَصَوِّفِينَ؛ إِذْ كُل فَرِيقٍ مِنْهُمْ قَدْ عَدَل عَنْ طَرِيقِهِ وَحَادَ عَنْ تَحْقِيقِهِ (2) ، قَال الطَّبَرِيُّ: لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ مِمَّا أَحَل اللَّهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ طَيِّبَاتِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلاَبِسِ وَالْمُنَاكَحِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِحْلاَل ذَلِكَ بِهَا بَعْضَ الْعَنَتِ وَالْمَشَقَّةِ؛ وَلِذَلِكَ رَدَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّبَتُّل عَلَى ابْنِ مَظْعُونٍ (3) فَثَبَتَ أَنَّهُ لاَ فَضْل فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ، وَأَنَّ الْفَضْل وَالْبِرَّ إِنَّمَا هُوَ فِي فِعْل مَا نَدَبَ عِبَادَهُ إِلَيْهِ، وَعَمِل بِهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَنَّهُ لأُِمَّتِهِ وَاتَّبَعَهُ عَلَى مِنْهَاجِهِ الأَْئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَبَيَّنَ خَطَأُ مَنْ آثَرَ لُبْسَ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ عَلَى لِبَاسِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ إِذَا قَدَرَ عَلَى لِبَاسِ ذَلِكَ مِنْ حِلِّهِ، وَآثَرَ أَكْل الْخَشِنِ مِنَ الطَّعَامِ وَتَرَكَ اللَّحْمَ وَغَيْرَهُ حَذَرًا مِنْ عَارِضِ الْحَاجَةِ إِلَى النِّسَاءِ.
قَال الطَّبَرِيُّ: فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْخَيْرَ فِي غَيْرِ
__________
(1) سورة المائدة / 87.
(2) القرطبي 6 / 259.
(3) حديث: " رد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي مظعون " سبق تخريجه.
الَّذِي قُلْنَا لِمَا فِي لِبَاسِ الْخَشِنِ وَأَكْلِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّفْسِ، وَصَرْفِ مَا فَضَل بَيْنَهُمَا مِنَ الْقِيمَةِ إِلَى أَهْل الْحَاجَةِ فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً، وَذَلِكَ أَنَّ الأَْوْلَى بِالإِْنْسَانِ صَلاَحُ نَفْسِهِ وَعَوْنُهُ لَهَا عَلَى طَاعَةِ رَبِّهَا، وَلاَ شَيْءَ أَضَرُّ لِلْجِسْمِ مِنَ الْمَطَاعِمِ الرَّدِيئَةِ؛ لأَِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِعَقْلِهِ وَمُضْعِفَةٌ لأَِدَوَاتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سَبَبًا إِلَى طَاعَتِهِ.
وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فَقَال: لِي جَارٌ لاَ يَأْكُل الْفَالُوذَجَ فَقَال: وَلِمَ؟ قَال: لاَ يُؤَدِّي شُكْرَهُ، فَقَال الْحَسَنُ: أَفَيَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ؟ فَقَال: نَعَمْ، فَقَال: إِنَّ جَارَك جَاهِلٌ، فَإِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ أَكْثَرُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ فِي الْفَالُوذَجِ (1) .
قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَمَا شَهْوَةُ الأَْشْيَاءِ اللَّذَّةُ وَمُنَازَعَةُ النَّفْسِ إِلَى طَلَبِ الأَْنْوَاعِ الشَّهِيَّةِ، فَمَذَاهِبُ النَّاسِ فِي تَمْكِينِ النَّفْسِ مِنْهَا مُخْتَلِفَةٌ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى صَرْفَ النَّفْسِ عَنْهَا وَقَهْرَهَا عَنِ اتِّبَاعِ شَهَوَاتِهَا أَحْرَى لِيُذِل قِيَادَهَا وَيَهُونَ عَلَيْهِ عِنَادُهَا، فَإِنَّهُ إِذَا أَعْطَاهَا الْمُرَادَ يَصِيرُ أَسِيرَ شَهَوَاتِهِ وَمُنْقَادًا بِانْقِيَادِهَا.
وَقَال آخَرُونَ: تَمْكِينُ النَّفْسِ مِنْ لَذَّاتِهَا أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنِ ارْتِيَاحِهَا وَنَشَاطِهَا بِإِدْرَاكِ إِرَادَتِهَا. وَقَال آخَرُونَ: بَل التَّوَسُّطُ فِي ذَلِكَ أَوْلَى لأَِنَّ فِي عَطَائِهَا ذَلِكَ مَرَّةً وَمَنْعِهَا أُخْرَى جَمْعًا بَيْنَ
__________
(1) القرطبي - سورة المائدة 6 / 259.
الصفحة 171