كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

تَوَكُّلٌ

التَّعْرِيفُ:
1 - التَّوَكُّل فِي اللُّغَةِ: إِظْهَارُ الْعَجْزِ وَالاِعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ وَالتَّفْوِيضُ وَالاِسْتِسْلاَمُ، وَالاِسْمُ مِنْهُ الْوَكَالَةُ. يُقَال: وَكَّل أَمْرَهُ إِلَى فُلاَنٍ أَيْ فَوَّضَهُ إِلَيْهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَوَثِقَ بِهِ، وَاتَّكَل عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ كَذَلِكَ. وَالتَّوَكُّل أَيْضًا قَبُول الْوَكَالَةِ، يُقَال وَكَّلْتُهُ تَوْكِيلاً فَتَوَكَّل. (1)
وَفِي الشَّرِيعَةِ يُطْلَقُ التَّوَكُّل عَلَى الثِّقَةِ بِاَللَّهِ وَالإِْيقَانِ بِأَنَّ قَضَاءَهُ مَاضٍ، وَاتِّبَاعٍ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّعْيِ فِيمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنَ الأَْسْبَابِ. (2)

حُكْمُ التَّوَكُّل:
2 - التَّوَكُّل بِمَعْنَى الثِّقَةِ بِاَللَّهِ، وَالاِعْتِمَادِ عَلَيْهِ فِي كُل الأُْمُورِ وَاجِبٌ، وَمَأْمُورٌ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَفِي سُنَّةِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
قَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
__________
(1) لسان العرب، ومتن اللغة، والمصباح المنير مادة: " وكل "، وإحياء علوم الدين 2 / 65.
(2) تفسير القرطبي في تفسير آية 122 من سورة آل عمران 4 / 189.
الْمُتَوَكِّلِينَ} (1) وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ بِالتَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ، وَقَال: تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ} (2) وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَال مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} (3) .
3 - أَمَّا التَّوَكُّل بِمَعْنَى جَعْل الْغَيْرِ وَكِيلاً عَنْهُ يَتَصَرَّفُ فِي شُؤُونِهِ فِيمَا يَقْبَل النِّيَابَةَ، فَهُوَ جَائِزٌ وَيَأْتِي بَحْثُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَةٌ) .
4 - وَأَمَّا التَّوَكُّل بِمَعْنَى: الاِعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ وَالثِّقَةِ بِهِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي كُل الأُْمُورِ: فَهُوَ مِنْ أَعْمَال الْقَلْبِ كَالإِْيمَانِ، وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَالتَّفَكُّرِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ، وَمَحَبَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمَحَبَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّطَهُّرِ مِنَ الرَّذَائِل الْبَاطِنَةِ كَالْحِقْدِ، وَالْحَسَدِ، وَالرِّيَاءِ فِي الْعَمَل، لاَ يَدْخُل فِي مَبَاحِثِ الْفِقْهِ. وَمَوْطِنُهُ الأَْصْلِيُّ: كُتُبُ التَّوْحِيدِ، وَعِلْمُ الأَْخْلاَقِ. (4)

التَّوَكُّل لاَ يَتَنَافَى مَعَ الأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ:
5 - ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، وَمُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ لاَ يَتَنَافَى مَعَ السَّعْيِ وَالأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ مِنْ مَطْعَمٍ، وَمَشْرَبٍ، وَتَحَرُّزٍ مِنَ الأَْعْدَاءِ وَإِعْدَادِ الأَْسْلِحَةِ، وَاسْتِعْمَال مَا تَقْتَضِيهِ سُنَّةُ اللَّهِ الْمُعْتَادَةُ، مَعَ الاِعْتِقَادِ أَنَّ الأَْسْبَابَ
__________
(1) سورة آل عمران / 159.
(2) سورة آل عمران / 122.
(3) سورة يونس / 84.
(4) نهاية المحتاج 2 / 106 - 107 ط مصطفى البابي الحلبي بمصر.

الصفحة 185