كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

وَحْدَهَا لاَ تَجْلُبُ نَفْعًا، وَلاَ تَدْفَعُ ضَرًّا، بَل السَّبَبُ (الْعِلاَجُ) وَالْمُسَبَّبُ (الشِّفَاءُ) فِعْل اللَّهِ تَعَالَى، وَالْكُل مِنْهُ وَبِمَشِيئَتِهِ، وَقَال سَهْلٌ: مَنْ قَال: التَّوَكُّل يَكُونُ بِتَرْكِ الْعَمَل، فَقَدْ طَعَنَ فِي سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (1)
وَقَال الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ} (2) دَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ التَّوَكُّل أَنْ يُهْمِل الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ كَمَا يَقُول بَعْضُ الْجُهَّال وَإِلاَّ كَانَ الأَْمْرُ بِالْمُشَاوَرَةِ مُنَافِيًا لِلأَْمْرِ بِالتَّوَكُّل. بَل التَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ: أَنْ يُرَاعِيَ الإِْنْسَانُ الأَْسْبَابَ الظَّاهِرَةَ وَلَكِنْ لاَ يُعَوِّل بِقَلْبِهِ عَلَيْهَا، بَل يُعَوِّل عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. (3)
وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّل الصَّحِيحَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ. وَبِدُونِهِ تَكُونُ دَعْوَى التَّوَكُّل جَهْلاً بِالشَّرْعِ وَفَسَادًا فِي الْعَقْل.
وَقِيل لأَِحْمَد: مَا تَقُول فِيمَنْ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ وَمَسْجِدِهِ وَقَال لاَ أَعْمَل شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ رِزْقِي. فَقَال أَحْمَدُ: هَذَا رَجُلٌ جَهِل الْعِلْمَ، أَمَا سَمِعَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جُعِل رِزْقِي تَحْتَ ظِل رُمْحِي (4) .
__________
(1) تفسير القرطبي 4 / 189 في تفسير آية 122 من آل عمران.
(2) سورة آل عمران / 159.
(3) تفسير الرازي 9 / 68 الآية 159 من آل عمران.
(4) حديث: " وجعل رزقي تحت ظل رمحي " وهو جزء من حديث أوله " بعثت بين يدي الساعة بالسيف. . . " أخرجه أحمد (7 / 142 / 5114 ط دار المعارف وصححه أحمد شاكر) .
وَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لاَ يَقْعُدُ أَحَدُكُمْ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَيَقُول اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لاَ تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً. (1) وَقَدْ تَوَاتَرَ الأَْمْرُ بِالأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ فِي الْقُرْآنِ وَسُنَّةِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ نَاقَتَهُ وَقَال: أَأَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّل، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّل؟ فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اعْقِلْهَا، وَتَوَكَّل (2) .
وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لأََنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ (3) .
وَقَال تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا} (4) وَالْغَنِيمَةُ اكْتِسَابٌ، وَقَال تَعَالَى {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَْعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُل بَنَانٍ} (5) وَالضَّرْبُ عَمَلٌ، وَقَال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} (6) وَقَال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا
__________
(1) إحياء علوم الدين 2 / 63.
(2) حديث: " أعقلها وتوكل ". أخرجه الترمذي (4 / 668 ط مصطفى الحلبي) من حديث أنس بن مالك وحسنه.
(3) حديث: " لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه ". أخرجه البخاري (3 / 335 ط السلفية) ، ومسلم 2 / 721 ط عيسى الحلبي من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري.
(4) سورة الأنفال / 69.
(5) سورة الأنفال / 12.
(6) سورة الملك / 15.

الصفحة 186