كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

الشَّخْصِ الْوَاحِدِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ، وَتَوَلِّي الصَّالِحِينَ وَتَوَلِّي الْفَاسِقِينَ.

أَوَّلاً: التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ:
3 - الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلاً، وَأَصْلُهُ الاِنْدِفَاعُ عَلَى الأَْلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُل مَاشٍ فِي الْحَرْبِ إِلَى الآْخَرِ زَاحِفًا. (1)
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (2) إِلَى أَنَّ التَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ وَهُوَ الْفِرَارُ مِنَ قِتَال الْكُفَّارِ حَرَامٌ، فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي حَضَرَ صَفَّ الْقِتَال أَنْ يَنْصَرِفَ إِذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَتَدَانَى الصَّفَّانِ؛ لِقَوْل اللَّهِ عَزَّ وَجَل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمِ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (3) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (4) نَهَى اللَّهُ تَعَالَى فِي الآْيَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ - فِي الذِّكْرِ هُنَا - عَنِ الْفِرَارِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَأَمَرَ فِي الآْيَةِ الأَْخِيرَةِ بِالثَّبَاتِ عِنْدَ قِتَالِهِمْ،
__________
(1) تفسير القرطبي 7 / 380.
(2) جواهر الإكليل 1 / 254، والزرقاني 3 / 115، والقليوبي 4 / 219، والمغني 8 / 346، وكشاف القناع 3 / 47.
(3) سورة الأنفال / 15، 16.
(4) سورة الأنفال / 45.
فَالْتَقَى الأَْمْرُ وَالنَّهْيُ عَلَى سَوَاءٍ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ عَلَى الْوُقُوفِ لِلْعَدُوِّ وَالتَّجَلُّدِ لَهُ. (1)
وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ وَالتَّوَلِّي. إِذَا لَمْ يَزِدِ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {. . . فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. .} (2)
فَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحْرُمِ الْفِرَارُ، وَالصَّبْرُ أَحْسَنُ، فَقَدْ وَقَفَ جَيْشُ مُؤْتَةَ وَهُمْ ثَلاَثَةُ آلاَفٍ فِي مُقَابَلَةِ مِائَتَيْ أَلْفٍ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَحْرِيمِ الْفِرَارِ الْعَدَدَ لاَ الْقُوَّةَ وَالْعُدَّةَ، وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ مَا مَال إِلَيْهِ الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى اعْتِبَارِ الْعُدَّةِ وَالْقُوَّةِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا انْصِرَافُ مِائَةٍ مِنَّا ضُعَفَاءُ عَنْ مِائَتَيْنِ إِلاَّ وَاحِدًا أَقْوِيَاءَ، أَوْ مِائَةُ فَارِسٍ مِنْ مِائَةِ فَارِسٍ إِذَا عَلِمُوا أَنَّ مَا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ النَّجْدَةِ وَالْبَسَالَةِ ضِعْفُ مَا عِنْدَهُمْ.
وَعَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ لاَ يَحِل فِرَارُ مِائَةٍ مَثَلاً إِلاَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ. (3)
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ حَالَةً أُخْرَى يَحْرُمُ فِيهَا الْفِرَارُ، وَهِيَ مَا إِذَا بَلَغَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ اثْنَتَيْ عَشَرَ أَلْفًا،
__________
(1) تفسير القرطبي 8 / 23.
(2) سورة الأنفال / 66.
(3) جواهر الإكليل 1 / 254 والقليوبي وعميرة 4 / 219، وتفسير القرطبي 7 / 380 - 381.

الصفحة 189