كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

فَإِنْ بَلَغُوا هَذَا الْعَدَدَ لَمْ يَحِل لَهُمُ الْفِرَارُ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمِثْلَيْنِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:. . وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ (1) فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْل الْعِلْمِ خَصَّصُوا هَذَا الْعَدَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عُمُومِ الآْيَةِ. (2)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّمَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ إِذَا بَلَغُوا اثْنَتَيْ عَشَرَ أَلْفًا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ، وَمَا لَمْ يَكُنِ الْعَدُوُّ بِمَحَل مَدَدِهِ وَلاَ مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِلاَّ جَازَ، وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ مَحَل الْحُرْمَةِ أَيْضًا: فِيمَا إِذَا كَانَ فِي الاِثْنَيْ عَشَرَ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَلِكَ وَظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقْتُلُونَهُمْ جَازَ الْفِرَارُ. (3)
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: فِي الْخَانِيَّةِ: لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفِرُّوا إِذَا كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَر لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ. . وَالْحَاصِل: أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُغْلَبُ لاَ بَأْسَ بِأَنْ يَفِرَّ، وَلاَ بَأْسَ لِلْوَاحِدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاَحٌ أَنْ يَفِرَّ مِنِ اثْنَيْنِ لَهُمَا سِلاَحٌ، وَيُكْرَهُ لِلْوَاحِدِ الْقَوِيِّ أَنْ يَفِرَّ مِنَ
__________
(1) حديث: " ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة ". أخرجه أبو داود (1 / 443 ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(2) جواهر الإكليل 1 / 253، ورد المحتار على الدر المختار 3 / 224، وتفسير القرطبي 7 / 382.
(3) جواهر الإكليل 1 / 254، وحاشية الزرقاني على خليل 3 / 115.
الْكَافِرَيْنِ، وَالْمِائَةُ مِنَ الْمِائَتَيْنِ فِي قَوْل مُحَمَّدٍ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنَ الثَّلاَثَةِ وَالْمِائَةُ مِنَ الثَّلاَثِمِائَةِ. (1)
وَاسْتُثْنِيَ مِنَ الْحُكْمِ بِتَحْرِيمِ التَّوَلِّي عِنْدَ الزَّحْفِ - بِنَصِّ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ - الْمُتَحَرِّفُ لِقِتَالٍ وَهُوَ: الَّذِي يُظْهِرُ الْهَزِيمَةَ وَيَنْصَرِفُ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ فَيَكْمُنُ وَيَهْجُمُ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَنْصَرِفُ مِنْ مَضِيقٍ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إِلَى مُتَّسَعٍ سَهْلٍ لِلْقِتَال. . وَذَلِكَ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ وَفُنُونِ الْقِتَال فَلاَ وِزْرَ فِيهِ وَلاَ حُرْمَةَ.
وَكَذَلِكَ اسْتَثْنَتِ الآْيَةُ مِنْ تَحْرِيمِ التَّوَلِّي عِنْدَ الزَّحْفِ الْمُتَحَيِّزَ إِلَى فِئَةٍ وَهُوَ: الَّذِي يَنْصَرِفُ عَنِ الْعَدُوِّ بِنِيَّةِ الذِّهَابِ إِلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ وَيَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْقِتَال، وَلاَ حُرْمَةَ عَلَى مَنْ يَنْصَرِفُ بِنِيَّةِ التَّحَيُّزِ.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ التَّحَرُّفِ أَوِ التَّحَيُّزِ: كَوْنَ الْمُتَحَرِّفِ أَوِ الْمُتَحَيِّزِ غَيْرَ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَالإِْمَامِ، وَأَمَّا هُمَا فَلَيْسَ لَهُمَا التَّحَرُّفُ وَلاَ التَّحَيُّزُ لِحُصُول الْخَلَل وَالْمَفْسَدَةِ بِهِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْمُتَحَرِّفِ وَالْمُتَحَيِّزِ مَنْ عَجَزَ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ لَهُ الاِنْصِرَافَ بِكُل حَالٍ. (2)
وَالْفِرَارُ - التَّوَلِّي - الْمُحَرَّمُ كَبِيرَةٌ مُوبِقَةٌ بِظَاهِرِ
__________
(1) رد المحتار على الدر المختار 3 / 224.
(2) جواهر الإكليل 1 / 254، والقليوبي وعميرة 4 / 219، والمفردات في غريب القرآن 136.

الصفحة 190