كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)
وَهَذَا التَّيْسِيرُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِبِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى جُمْهُورِ النَّاسِ. وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الأَْسْرَارِ، وَالْمَوَاعِظِ، وَالْعِبَرِ، مَا يَدُقُّ عَنْ فَهْمِ الْجُمْهُورِ، وَيَتَنَاوَل بَعْضَ الْخَوَاصِّ مِنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا بِحَسَبِ مَا يُيَسِّرُهُ اللَّهُ لَهُمْ وَيُلْهِمُهُمْ إِيَّاهُ، يَفْتَحُ عَلَى هَذَا بِشَيْءٍ لَمْ يَفْتَحْ بِهِ عَلَى الآْخَرِ، وَإِذَا عُرِضَ عَلَى الآْخَرِ أَقَرَّهُ. (1)
ب - التَّيْسِيرُ فِي عِلْمِ الأَْحْكَامِ الاِعْتِقَادِيَّةِ:
12 - التَّكَالِيفُ الاِعْتِقَادِيَّةُ فِي الإِْسْلاَمِ مُيَسَّرٌ تَعَقُّلُهَا وَفَهْمُهَا، يَشْتَرِكُ فِي فَهْمِهَا الْجُمْهُورُ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثَاقِبَ الْفَهْمِ وَمَنْ كَانَ بَلِيدًا، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يُدْرِكُهُ إِلاَّ الْخَوَاصُّ لَمَا كَانَتِ الشَّرِيعَةُ عَامَّةً؛ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبُ عِلْمُهَا وَاعْتِقَادُهَا سَهْلَةَ الْمَأْخَذِ. فَعَرَّفَتِ الشَّرِيعَةُ الأُْمُورَ الإِْلَهِيَّةَ بِمَا يَسَعُ الْجُمْهُورَ فَهْمُهُ، وَحَضَّتْ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، وَالسَّيْرِ فِي الأَْرْضِ، وَالاِعْتِبَارِ بِآثَارِ الأُْمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَحَالَتْ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الاِشْتِبَاهُ مِنَ الأُْمُورِ الإِْلَهِيَّةِ إِلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (2) ، وَسَكَتَتْ عَنْ أَشْيَاءَ لاَ تَهْتَدِي الْعُقُول إِلَيْهَا.
وَمِمَّا يَدُل عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْخَوْضِ فِي هَذِهِ الأُْمُورِ مَا يَكُونُ أَصْلاً لِلْبَاحِثِينَ، وَالْمُتَكَلَّفِينَ، كَمَا
__________
(1) الموافقات وتعليق الشيخ دراز 2 / 69، 86.
(2) سورة الشورى / 11.
لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ لَمْ يَكُونُوا إِلاَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ. وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَال، وَعَنْ تَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِي، عَامًّا فِي الاِعْتِقَادِيَّات وَالْعَمَلِيَّاتِ. (1)
ج - التَّيْسِيرُ فِي عِلْمِ الأَْحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ:
13 - رَاعَى الشَّارِعُ الْحَكِيمُ أُمَيَّةَ الْمَدْعُوِّينَ وَتَنَوُّعَ أَحْوَالِهِمْ فِي الْفَهْمِ، فَجَعَل الأَْحْكَامَ الْعَمَلِيَّةَ مِمَّا يَسْهُل تَعَقُّلُهَا وَتَعَلُّمُهَا وَفَهْمُهَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَلَّفَهُمْ بِجَلاَئِل الأَْعْمَال الْعِبَادِيَّةِ، وَقَرَّبَ الْمَنَاطَ فِيهَا بِحَيْثُ يُدْرِكُهَا الْجُمْهُورُ، وَجَعَلَهُ ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا، كَتَعْرِيفِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ بِالظِّلاَل وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَزَوَال الشَّمْسِ، وَغُرُوبِهَا، وَغُرُوبِ الشَّفَقِ، وَكَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} (2) . وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسِبُ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا (3) وَقَال: لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَل وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ
__________
(1) الموافقات 2 / 88، 89.
(2) سورة البقرة / 187.
(3) حديث: " إنا أمة لا نكتب ولا نحسب: الشهر هكذا وهكذا " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 136 - ط السلفية) . ومسلم (2 / 761 - عيسى الحلبي)
الصفحة 216