كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ (1) وَلَمْ يُطَالِبْنَا بِجَعْل ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِحِسَابِ مَسِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فِي الْمَنَازِل؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الدِّقَّةِ وَالْخَفَاءِ. (2)
وَلاَ يَعْنِي ذَلِكَ خُلُوُّ الشَّرِيعَةِ مِمَّا يَسْتَقِل الْخَاصَّةُ بِإِدْرَاكِهِ، وَهِيَ الأُْمُورُ الاِجْتِهَادِيَّةُ، الَّتِي تَخْفَى عَلَى الْجُمْهُورِ، غَيْرَ أَنَّ عَامَّةَ الأَْحْكَامِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْمُكَلَّفُ، وَتَقُومُ مَقَامَ الأُْسُسِ مِنَ الدِّينِ، ظَاهِرَةٌ لاَ تَخْفَى عَلَى الْجُمْهُورِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَحْتَاجُ فِي تَطَلُّبِهِ إِلَى بَذْل جَهْدٍ، إِلاَّ أَنَّهُ يَتَيَسَّرُ لأَِهْل الْعِلْمِ الْوُصُول إِلَيْهِ بِاتِّبَاعِ مَا بَيَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ طُرُقِ الاِجْتِهَادِ.

النَّوْعُ الثَّانِي: يُسْرُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ:
14 - يُسْرُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ يَتَشَعَّبُ فِيهِ النَّظَرُ شُعْبَتَيْنِ:
1 - الْيُسْرُ الأَْصْلِيُّ، وَهُوَ الْيُسْرُ فِي مَا شُرِعَ مِنَ الأَْحْكَامِ مِنْ أَصْلِهِ مُيَسَّرًا لاَ عَنَتَ فِيهِ.
2 - الْيُسْرُ التَّخْفِيفِيُّ، وَهُوَ مَا وُضِعَ فِي الأَْصْل مُيَسَّرًا، غَيْرَ أَنَّهُ طَرَأَ فِيهِ الثِّقَل بِسَبَبِ ظُرُوفٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ، وَأَحْوَالٍ تَخُصُّ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ، فَيُخَفِّفُ الشَّرْعُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ الأَْصْلِيِّ.
__________
(1) حديث: " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 119 - ط السلفية) . مسلم (2 / 759 - ط عيسى الحلبي) .
(2) الموافقات 2 / 91.
الشُّعْبَةُ الأُْولَى: الْيُسْرُ الأَْصْلِيُّ:
15 - التَّيْسِيرُ الأَْصْلِيُّ صِفَةٌ عَامَّةٌ لِلشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ فِي أَحْكَامِهَا الأَْصْلِيَّةِ الَّتِي تَلْزَمُ الْمُكَلَّفِينَ. قَال الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى التَّكْلِيفِ بِالشَّاقِّ وَالإِْعْنَاتِ فِيهِ،
وَيُسْتَدَل لِذَلِكَ بِأُمُورٍ، مِنْهَا:
16 - أ - النُّصُوصُ الَّتِي تُبَيِّنُ ذَلِكَ صَرَاحَةً، مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (1) وَمِنْهَا مَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي سِيَاقِ بَيَانِ بَعْضِ الأَْحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (2) وَقَوْلُهُ جَل وَعَلاَ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} (3) وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْل وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (4) .
__________
(1) سورة البقرة / 286.
(2)) سورة الأعراف / 42.
(3) سورة البقرة / 233.
(4) سورة الأنعام / 152.

الصفحة 217